رئيس مجلس الإدارة : ياسر رزق   -  
رئيس التحرير: عمرو الخياط
السلايدر

كواليس ما لم ينشر حول «معركة طابا»

بعد ٢٨ سنة من تحريرها الدكتور مفيد شهاب يكشف لـ«أخبار اليوم»:


صورة للواء بحري أ.ح محسن حمدى رئيس اللجنة العسكرية فى المباحثات أمام أحد نقاط الحدود المصرية

  أحــمد الســرســـاوي
3/17/2017 7:41:11 PM

خضنـا حــربـاً قانونيــة شرسـة.. والنـزاع كان علي ١٤ نقطـة حـدود
اختيار »د.حامد سلطان»‬ لعضوية المحكمة كان موفقاً.. والقيادة السياسية ساندتنا


معركة استعادة طابا.. كانت شرسة وقاسية وعنيفة!! لم تكن ساحتها في ميادين القتال.. لكنها كانت في ساحات المحاكم الدولية!!
ومع ذلك لم تخل أبداً من المفارقات والكواليس والمواقف الطارئة غير المتوقعة!
نعم.. مازالت وقائع تلك المعركة حافلة بما يثير الدهشة، ومازالت تحمل الجديد رغم مرور ٢٨ سنة علي فصولها التي قادت لتحرير آخر حبة رمل من أرض سيناء يوم ١٩ مارس ١٩٨٩!!.
فما تم نشره حتي الآن من وقائع هذه الجولات التفاوضية الصعبة ركز علي النواحي القانونية والدبلوماسية والسياسية فقط، وظلت »‬القصص الجانبية»، وما وراء الأحداث في طي النسيان، بعيداً عن »‬دائرة الضوء»!!.


وفي هذا الحوار »‬التليفوني» يخصنا د.مفيد شهاب أحد الأعضاء البارزين باللجنة القومية العليا لاستعادة طابا، ووزير الشئون القانونية والنيابية الأسبق، والفقيه الشهير في القانون الدولي بالكواليس المحيطة بالمحكمة وبمهارات إقناع المحكمة بالوثائق القانونية وغير القانونية، حتي ولو كانت »‬مانشيتات» من الصحف الإسرائيلية المعارضة.
سريعاً.. يحكي لنا د.مفيد شهاب قصة هذا النزاع وكيف نشأ.. قبل أن يخوض في كواليس حله قائلاً:
لحسن الحظ حدثت أزمة سنة ١٩٠٦ بين بريطانيا التي احتلت مصر عام ١٨٨٢، وبين تركيا التي كانت تهيمن علي الأراضي ما بعد حدودنا الشرقية، وكانت الأزمة حول التحديد الدقيق لخط الحدود بين مصر والمستعمرات التركية في ذلك الوقت، ما أدي إلي ترسيم الحدود التي جعلت كل منطقة طابا بما فيها الموقع الحالي للعلامة ٩١ فوق الجبل داخل الحدود المصرية.
عقب الاحتلال الإسرائيلي لسيناء في نكسة ١٩٦٧ تم شق طريق ساحلي يمتد من طابا شمالاً نزولاً إلي جنوب سيناء عام ١٩٧٠، الأمر الذي أدي إلي تدمير جزء من البيئة الجبلية التي كانت مثبتا عليها علامة الحدود التي حددت مصر موضعها عند النقطة التي توجد بها بقايا علامة قديمة، بينما حددت إسرائيل موضعين آخرين بديلين داخل الأراضي المصرية احدهما عند ربوة جرانيتية بعيدة عن النقطة الأصلية، والثانية عند بير طابا!!.
قدم كل طرف أسانيده وحججه أمام المحكمة سواء كانت مذكرات أو مرافعات شفوية تتضمن الوثائق والخرائط والصور التاريخية، إضافة إلي شهادة الشهود، ولم تستطع إسرائيل تقديم أي دليل علي وجود بقايا علامات في أي من الموضعين اللذين تقدمت بهما، كما أنها لم تستطع التدليل علي وجود أي علامة حدودية في أي وقت علي الموضعين اللذين افترضتهما لوجود العلامة ٩١ بعكس ما قدمته مصر من أسانيد.
عذاب التفاوض
بعد ٣ سنوات كاملة من بداية التحكيم وقبلها ٣ سنوات أخري في التفاوض حول النزاع بين الجانبين علي ١٤ نقطة حدود تمتد من رفح شمالاً علي البحر المتوسط إلي طابا جنوباً علي خليج العقبة، حيث يصل الخط الواصل بينهما لنحو ٢١٧ كيلومتراً.. حكمت المحكمة باعتماد أماكن ١٠ علامات حدودية كما حددتها مصر من بينها العلامة ٩١ المهمة عند طابا، بجانب العلامات أرقام ٧ و١٧ و٢٧ و٥١ و٥٢ و٨٥ و٨٦ و٨٧ و٨٨ في حين حكمت للجانب الإسرائيلي بأربع نقاط فقط هي ١٤ و١٥ و٤٦ و٥٦ علي أن يتم تنفيذ الحكم فوراً وبدون إجراءات أو دفوع أو نقض للحكم كما جاء في اتفاق مشارطة التحكيم.
وتسلمت مصر نسختين أصليتين من الحكم، ومثلهما تم تسليمه لوكيل الجانب الإسرائيلي، وأودعت نسخة خاصة أصلية في محفوظات المحكمة.
ويؤكد د.مفيد شهاب أن تشكيل اللجنة القومية العليا لاستعادة طابا كان أحد عوامل القوة للانتصار في هذه المعركة الشرسة جداً رغم عدم استخدام المدافع والقنابل وأسلحة الفتك بها، بل استخدمت أسلحة العقل والعلم والحجج والضغوط النفسية فيها إلي أن تحقق لنا الانتصار وكان اختيار  د.حامد سلطان لعضوية المحكمة كان موفقا نظرا لقامته القانونية ومكانته الدولية كما أن القيادة السياسية وقتها ساندتنا.
تقمص الدور!
من المفارقات التي كانت تتم أثناء المحاكمات كما يقول د.شهاب أن الفريق المصري كان يترافع في الصباح أمام المحكمة، في حين يجتمع في المساء لكي يقوموا بتقسيم أنفسهم إلي معسكرين أحدهما هو الجانب المصري، والثاني يمثل الجانب الإسرائيلي، لكي يتقمص أفراده الفكر و»‬التكتيك» الإسرائيلي أمام المحكمة، وكان كل معسكر »‬يتعنت» أمام الآخر لدراسة كل السيناريوهات المحتملة أو المناورات الممكنة من الجانب الآخر وبالتالي نكون مستعدين لمواجهتها!!. وهذه النقطة كما يقول أستاذ القانون الدولي الشهير تمثل إحدي آليات التفاوض المهمة، باعتباره علما له أصوله وقواعده، كما أنه فن يحتاج لمهارات خاصة، وبالتالي لابد للقائمين علي التفاوض من قدرات وخبرات خاصة تمكنهم من ذلك، وأن نكون أيضاً علي وعي بإسلوب الطرف المقابل وأهدافه وتوقعاته وتخطيطه. وحول الاجتماعات التي كانت تجريها اللجنة أثناء المحكمة قال: كانت هناك مجموعتان من الاجتماعات.. الأولي اجتماعات عامة يحضرها كل أعضاء اللجنة، والثانية اجتماعات متخصصة لكل مجموعة علي حدة وكانت مخصصة للنواحي الفنية داخل كل تخصص من التخصصات الأربعة الرئيسية في اللجنة، وهي القانونية والعسكرية والدبلوماسية ثم »‬الجغرافية والتاريخية» معاً.
شهود يوغوسلاف!
وكانت هذه الاجتماعات تناقش دفوع الجانب المقابل، وتبحث عن كل جديد، وخلالها كنا ننظم عمل الشهود سواء من المصريين مثل الفريق أول كمال حسن علي واللواء بحري محسن حمدي، أو من الأجانب الذين كان لهم دور مهم  في إقناع المحكمة، ومنهم ثلاثة شهود من اليوغوسلاف كانوا ضمن قوات الطوارئ الدولية المتمركزة بمنطقة رأس النقب بعد الهدنة سنة ١٩٤٩، وعقب الإنسحاب الإسرائيلي فيما وراء خط الحدود عام ١٩٥٧ بعد العدوان الثلاثي.. حيث شهد إثنان منهم أن معسكرهم وطرق دورياتهم ونقاط مراقباتهم في المنطقة، كانت جميعها شرق الخط الذي تطالب به إسرائيل، وهو ما يدعم وجهة النظر المصرية.
كذلك كان من بين الشهود إسماعيل شرين باشا وزير الحربية المصري قبل ثورة ٢٣ يولية ١٩٥٢، الذي أدلي بشهادته مكتوبة، وعرض صورة له عند نقطة الحدود عام ١٩٤٩ عقب الهدنة تحت إحدي أشجار الدوم الموجودة بالمنطقة والتي تؤكد مصرية طابا.
من »‬الكواليس» الأخري أثناء إدارة معركة التحكيم.. ذات مرة جاء الوفد الإسرائيلي بشريط فيديو قديم يصور المنطقة، ويدعون أنه يعضد وجهة نظرهم في القضية، والمثير أننا هممنا بالاعتراض علي اعتبار أن أشرطة الفيديو يمكن التلاعب فيها بما يسمي عمليات »‬المونتاج»، ولكن كان للدكتور نبيل العربي رأي آخر، وهو أن نشاهد الفيديو فربما نكتشف فيه عيباً يُضعف وجهة النظر الإسرائيلية بدلاً من تقويتها.. وهو ما حدث بالفعل!
فقد اكتشف د.يوسف أبوالحجاج عالم الجغرافيا الكبير.. بجامعة عين شمس خرائط ضمن لقطات الفيديو تؤيد وجهة النظر المصرية وتسيء للرأي الإسرائيلي، فتركناهم يعرضونه أمام المحكمة، ثم أخذنا في تفنيد ما جاء به لصالحنا!
الأكثر من هذا.. أننا استخدمنا »‬مانشيتات» الصحف المعارضة الصادرة في تل أبيب لصالح القضية، فرغم أن مثل هذه الأمور لا تعد من الوثائٍق القوية، لكنها بدون شك تعضد وتدعم الوثائق والمستندات. فقد أمدتنا سفارتنا في تل أبيب بصحيفة معارضة يقول المانشيت أو العنوان الرئيسي لها أن الإسرائيليين لصوص لأن أحد الجنود أزال العلامة الحدودية رقم ٩١ وألقي بها داخل الأراضي المصرية لمسافة بعيدة عن الجبل للتضليل، وحكت الصحيفة القصة من وجهة نظرنا علي أنه سبق لها!
ولا ينسي د.مفيد شهاب يوم صدور الحكم الساعة ٢ ظهر يوم ٢٩ سبتمبر ١٩٨٨، عندما دخل أعضاء المحكمة للقاعة، وأعلن رئيسها الحكم بأغلبية أربعة أصوات »‬القضاة الثلاثة بالإضافة إلي الوكيل عن مصر» مقابل صوت واحد فقط »‬هو لوكيلة الجانب الإسرائيلي»، فإذا بها وهي د.روث تصرخ رافضة الحكم في ثورة غير مبررة ما دعا رئيس المحكمة إلي إعلانها بأن الحكم هو عنوان الحقيقة، في اللحظة التي كنا فيها كمصريين نهلل ونتعانق مرددين »‬تحيا مصر».. كنا بالفعل فريقا من المقاتلين بقوة القانون.
ويكمل د. شهاب: في هذه اللحظة الفارقة فوجئنا بمفاجأة كان لها وقع الصدمة.. فقد تسلل نحونا روزين شاباتاي المستشار القانوني للخارجية الإسرائيلية الذي كان موجودا بصفته عضواً في فريق الدفاع الإسرائيلي وهمس لنا قائلاً: كنا نعلم أن طابا أرض مصرية مائة بالمائة ومنذ بداية عملية التفاوض منذ سنوات، لكننا كنا نراهن علي أخطائكم وفشلكم في الدفاع أمام المحكمة، وأنكم لن تحصلوا علي أية وثائق أو مستندات، وأن دفاعكم سينبني علي الإنشاء والكلام وليس علي الحقائق، فلم ينل منا جميعاً إلا ابتسامة باهتة من صدمة ما قال!
ورغم مرور ٢٨ سنة علي هذا اليوم إلا أنني أتذكر كل تفاصيله ووقائعه لأنه كان يوم انتصار عظيم جسد الإرادة والروح الوطنية المصرية المستميتة علي قطعة غالية من ترابنا الوطني وهي طابا، فما ضاع حق وراءه مطالب، إنها ذكري غالية تذكرنا بشهداء الوطن وتدعونا للإنحناء احتراماً لهم، فلولاهم ما تحقق الانتصار العسكري العظيم، ولولاهم ما استعدنا آخر حبة رمل من بلادنا.

عدد المشاهدات 89

الكلمات المتعلقة :

تعليقات القرّاء