الرئيسية

الرجل الذي عاش مائة عام


ياسر رزق

  ياسر رزق
1/12/2018 10:00:04 PM

في مثل عمري الآن رحل الزعيم جمال عبدالناصر قبل 48 عاماً. لكنه بقي لنحتفل بعيد ميلاده المائة.
كثير ممن يعيشون موتي، وقليل ممن فارقونا أحياء، علي رأس هؤلاء عبدالناصر.
صغاراً، كنا أنا وأقراني نغني في سنوات التهجير للعودة، وللقناة: قناة السويس بناها أجدادنا عيسي وعويس. جاء ديليسبس، قال لنا: هس، انتوا النص واحنا النص. جاء جمال أبوالابطال، حرر مصر من الاستعمار. يعيش جمال.
مازال جمال يعيش فينا، مثلما تعيش القناة التي أممها، والسد العالي الذي أنشأه والمصانع والمزارع التي أقامها والفقراء الذين أحبهم، والكرامة الوطنية التي أعلاها، والعروبة التي دفع حياته من أجلها.
يعيش جمال فينا بالأمل الذي بثه في الصدور، فلم تخنقه نكسة، ولم يبارحنا برحيله.
عندما مات، تباري الشعراء المصريون والعرب في رثاء الرجل الذي جلدوه بأبياتهم بعد 5 يونيو. أقرب ما قيل إلي قلبي نظمه أمير شعراء فلسطين محمود درويش: »نعيش معك، نسير معك، نجوع معك، وحين تموت نحاول ألا نموت معك»‬.
مات »‬الرجل ذو الظل الأخضر»، وبقيت مصر وبقينا.
لم أعش في عهد عبدالناصر إلا السنوات الخمس الأولي من عمري.
كنت رغم صغر سني، أحفظ يوم ميلاده 15 يناير وأسعد بحلوله، فقد كان »‬عيد الطفولة» نتلقي فيه هدايا بسيطة من أسرنا ومن المدارس. وبعد سنوات من رحيله تغير يوم عيد الطفولة، صار يوما آخر، ثم لم نعد نسمع عنه!
أذكر يوم رحيل عبدالناصر. قرآن في التليفزيون، ثم أصوات صراخ تدوي، ودموع تنهمر من عيني أمي وعيون الجارات.
تخرج أمي من دولاب غرفتها، قطعاً من مشغولات »‬الكانفاه» كانت تشغلها بالخيوط، وتضعها في الدرج، انتظارا ليوم العودة إلي مدينتنا، بعد الحرب الموعودة، أمسكت أمي بمشغولاتها، وكفكفت بها دموعها، وأعادتها إلي مكانها في الدرج، وهي تقول: حتي لو مات، سوف نرجع!
ورجعنا بعد النصر.
• • •
عشت صباي واسم عبدالناصر، صار هدفاً لحجارة الأحقاد.
كتب يسطرها صغار، يتوهمون أن قامتهم قد تطول، إذا تطاولوا بالافتراءات علي عبدالناصر.
مقالات تنزع منه كل أمجاده وتتجرأ علي التاريخ، بباطل الادعاءات فالقناة كانت ستعود عام ١٩٦٨، والتأميم جرنا إلي العدوان الثلاثي، والسد العالي حجب الطمي عن الأرض، والإصلاح الزراعي فتت ملكية الإقطاعيين، والتصنيع الثقيل كارثة علي بلد زراعي، والتعليم والعلاج المجاني خربا المدارس والمستشفيات، والتقريب بين الطبقات افتئات علي الدين!
لكن لم يقدر أحد من أشداء أعداء عبدالناصر أن يطعن في إخلاصه ولا وطنيته ولا نزاهته.
كان اسم عبدالناصر لاُ يذكَر إلا في مناسبة رحيله في كلمة مقتضبة تذاع، وفي خبر عن زيارة رسمية إلي ضريحه.. بينما حين تحل ذكري عدوان يونيو  يبدأ موسم الطعن في سيرة عبدالناصر، والغمز واللمز في الجيش تستراً بالإساءة إلي قائد ثورة يوليو.
• • •
كتب الاستاذ هيكل كانت نافذتي إلي التاريخ الذي لم أعشه. كان يسرد فيها حقائق موثقة بالمستندات، ويذكر وقائع شهودها أحياء، لم يجرؤ أحد منهم علي نفيها.
أذكر حينما تعرفت عليه، وجالسته، واقتربت منه، أنني قلت له يوماً: »‬جزء يا أستاذ من أسطورة عبدالناصر، ساهمت فيه أنت بكتاباتك»
يومها.. نظر إليّ الاستاذ هيكل بعتاب شديد.. وقال لي: أنت تظلم هذا الرجل، وماكنت أظنك تفعل.
ثم أمضي معي ساعتين فوق الموعد المحدد للقائنا، يروي مواقف ويحكي مشاهد عاشها ورآها رأي العين، ربما يحين وقت لذكرها، لكنها في مجملها تؤكد أن الشعب الذي أحب عبدالناصر إلي درجة العشق، لم تخنه مشاعره ولم تخدعه.
في سنوات الجامعة.. انضممت إلي »‬نادي الفكر الناصري»، عشقاً للزعيم، وسعياً للاستزادة من تجربته الوطنية.
كانت زمالة »‬النادي» تجربة ثرية، تعرفت فيها علي أصدقاء عمر، وعلي شخصيات وطنية محترمة، والتقيت بشخصيات لها أسماء رنانة، وأدركت أنها بالقطع كانت عبئاً علي الزعيم، وعلي تجربته، وخصماً من رصيده!
• • •
في ثورة ٢٥ يناير، رفع بعض المتظاهرين صور عبدالناصر في ميدان التحرير وغيرها، ورددوا هتاف: »‬عيش، حرية، عدالة اجتماعية»، كان الهتاف هو جوهر أهداف ثورة يوليو التي أفني عبدالناصر حياته لتحقيقها.
حينما اقتنص الإخوان الحكم واستحوذوا علي كرسي رئاسة الجمهورية، وجدنا أبواقهم تقول: »‬انتهاء الحكم العسكري بعد ٦٠ عاماً»، وسمعنا محمد مرسي يخطب في ميدان التحرير، ويقول: »‬الستينات، وما أدراك ما الستينات» وكانت كلماته التي تفضح كراهية الإخوان لعبدالناصر وثورة يوليو، مثار سخرية الكثيرين، فلولا عبدالناصر، ما حصلت أسرة مرسي علي فدانين أراضي الإصلاح الزراعي وما استطاع الدراسة والتعلم في الجامعة ولظل في قريته عامل تراحيل يؤجر في كل موسم حصاد.
في يوم ثورة ٣٠ يونيو، ارتفعت صور عبدالناصر تقريباً في كل المظاهرات، وعقب بيان ٣ يوليو امتلأت الشوارع والميادين بالمصريين يرفعون صورتي عبدالناصر والسيسي معاً، صورة بطل الثورة الأم، وصورة بطل الثورة الكبري.
وفي الأيام التالية، وحتي يوم الخروج الكبير للتفويض الشعبي في ٢٦ يوليو، كانت واجهات المحال وشرفات المنازل، تعلوها صور البطلين.
أذكر في أول لقاء لي مع اللواء السيسي أنني سمعته يتحدث عن مصر العزة والكرامة.. ولا أتذكر أنني سمعت هذا التعبير قبلها بسنوات خلت إلا في تسجيلات خطب عبدالناصر.
في أول لقاء لي مع الفريق أول عبدالفتاح السيسي، عقب ثورة ٣٠ يونيو، تنسمت في كلامه المفعم بالوطنية، عطر عبدالناصر.
وفي أول لقاء صحفي له علي الإطلاق، سألته: كيف تشعر والناس ترفع صورك مع صور عبدالناصر؟.. قال: يارب أكون علي قدر هذه الثقة.
يقدر السيسي في عبدالناصر إخلاصه وصلابة إرادته، مثلما يقدر في السادات بُعد نظره، وفي محمد علي مشروعه النهضوي.
ويسير السيسي في مشروعه الوطني لبناء الدولة المصرية الثالثة الحديثة، مسترشداً بمشروع الدولة الأولي في عهد محمد علي، والدولة الثانية في عهد عبدالناصر، وآخذا العبرة من مشروع لم يراع الحذر كما يجب، وآخر لم يتحوط بما يكفي.
• • •
مائة عام تمضي علي ميلاد الزعيم. مازال يعيش عبدالناصر في القلوب. تلهمنا تجربته بأيامها الحلوة وأيامها الصعبة، ونحن نؤسس بناء دولة جديدة، قوامها الحداثة والديمقراطية والمدنية.
ومازال العرب ينظرون إلي أيامه بحنين وإكبار، ولعلهم الآن يستذكرون مقولته الأشهر، التي هي خلاصة تاريخ وتجربة ورؤية: إن ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة.

عدد المشاهدات 387

الكلمات المتعلقة :