مقالات عادل حمودة

أخبار اليوم تنشر صفحات من مذكرات عادل حموده «١٠»


عادل حموده

  مذكرات عادل حموده
3/9/2018 7:59:17 PM


حرب المذكرات السياسية بين »أخبار اليوم»‬ و»‬روز اليوسف» حول ذمة عبد الناصر السياسية والمالية !
معارك صلاح حافظ وأحمد حمروش ويوسف إدريس السياسية والصحفية ضد موسي صبري وجلال الحمامصي خلت من الفضائح والطعنات الشخصية !
فن بيع الصحف علي طريقة صابون نجمات السينما والمرأة التي تتحسس حذاء الرجل بخدها الناعم !
في مصر لا نعرف خبايا النظام السياسي إلا بعد رحيله والأسرار تظل مكتومة سنوات طويلة إلي أن يشاء الحاكم !
تعلمت من إحسان عبد القدوس أن الصحافة هي طبق الفول المدمس الذي ينتظره القارئ كل صباح !
وتعلمت من نزار قباني : ان القارئ لا يحتمل البلف أو الغش أو يشتري  شيئا بالمصادفة !
صحيفة واشنطن بوست وصفت روز اليوسف وقت إدارتي لتحريرها بأنها مجلة
لها أشواك لكنها
لا تجرؤ علي الاقتراب  من الرئيس !



المرايا ليست إختراعا نسائيا .. المرايا ليست وحدها التي تستفيد منها المرأة .. الكاتب أيضا في حاجة إلي مرآة من عيون الناس ليري فيها وجهه الحقيقي بغير مكياج أوتزوير أوبوتوكس .

وعندما تنكسر مرآة الكاتب فإنه يفقد القدرة علي معرفة مكان أنفه وشكل فمه ولون عينيه وجرأة قلمه ولون حبره .. أسود في لون الظلم .. أم أخضر في لون الحياة .. أم أحمر في لون دمه الذي يسفح علي الورق وإن تصوره البعض بقعة مياة غازية .

بعد ما يقرب من نصف قرن من الخدمة الشاقة في بلاط صاحبة الجلالة لا أزال أدخل محراب صفحاتها بانفعالات تلميذ يدخل الإمتحان أول مرة .

أكتب كأني لم اكتب من قبل .. كأني أفك الخط.. اختاركلماتي بحذر حتي لا تعاتبني بوضعها في غير محلها وحتي لا يعاتبني المانشت علي توريطه في مكان مشبوه .

وانتظر بفارغ صبر كلمة إستحسان ــ بعد كل مقال ــ بفم جاف وقلب تتسارع نبضاته وضمير يخشي إتهام عدم الإتقان .

وعندما أكتب فإنني أكون متطهرا أنيقا دون رابطة عنق تخنقني أوقفاز يقيد حرية اصابعي.. ليس هناك ما يستحق هذه العناية أكثر من الصحافة.

وتعلمت من إحسان عبد القدوس أن »‬الصحافة طبق الفول المدمس الذي يفتتح به المصريون يومهم الشاق» .

وتعلمت من نزار قباني أن »‬القارئ لا يحتمل البلف أوالغش أويشتري شيئا بالمصادفة».
وتعلمت من صلاح حافظ »‬أن تشبه كلماتي البشر الذين ينتظرونها» .

وصلاح حافظ موهبة إنسانية قبل أن يكون موهبة صحفية .. أخذ بيدي وقت أن رجمني غيره .. ابتسم في وجهي وسط مظاهرة من العبوس أحاطت بي .. علمني سر الصنعة بينما حاربني الذين لفظتهم الصنعة .. وقد رددت له الجميل ــ حسب طلبه ــ بأن واصلت نجاحه في روز اليوسف بعد سنوات طوال من الفشل وجسدت حضوره رغم غيابه البعيد في ذمة الله .

تسلم صلاح حافظ روز اليوسف ثوبا قديما مهلهلا .. مرقعا .. منهارة التوزيع .. فاقدة الثقة في نفسها .. وبخبرته الثاقبة عرف أن ذلك كله سينتهي بسهولة بعد أن يعود القارئ الهارب إليها بتقديم ما يحتاجه من مجلة سياسية في عراقتها.

بدأت تجربته هووفتحي غانم في 17 يونيو1974 برسالة من المحرر حدد فيها سياسة المجلة : مع الحق ضد الباطل ومع العلم ضد الخرافة ومع التقدم ضد التخلف ومع الكادح ضد المستغل ومع الإنسان ضد أعداء الإنسان .

كانت الرقابة علي الصحف قد رفعت فقررنا تحويل المجلة إلي مهرجان أسبوعي من الحرية ورحنا قبل لحظة إنطلاق التجربة نجهز من التحقيقات الصحفية والمذكرات السياسية ما يعيد للقاري شهيته ووقتها سألت صلاح حافظ عن فن الصحافة فأجاب دون تردد :

إنه فن بيع الصحف وهوما يجمع عليه الأساتذة الكبار وعلي رأسهم فريزر بوند مؤلف أهم مرجع أكاديمي يدرسه طلاب الجامعات وهوكتاب »‬مدخل إلي الصحافة» الذي ترجم إلي ست لغات وفيه يعتبر الصحافة المستقلة الأب الشرعي لفن الصحافة »‬ وليس في هذا ما يثير الدهشة فالصحف المنتمية أوالملتزمة لا تملك أن تستخدم من وسائل إجتذاب القارئ إلا ما يتفق مع رسالتها أما الصحف المستقلة فلا شئ يقيدها .. لا حزب تخشي غضبه .. ولا زعيم تلتزم برسالته .. وتنفق الصحف المستقلة من جيوب القاري فلا يهمها إلا ان تروج لديه ولهذا فإم علي صفحاتها يولد كل جديد في فن الصحافة ».

لكن هناك تحفظات علي الصحافة المستقلة ذكرها صلاح حافظ فيما بعد في مقال نشره عام 1974 بعد إلحاح مني للرد علي إتهام روز اليوسف بأنها نوع من الصحافة الصفراء لمجرد أن توزيعها يرتفع .

عاد صلاح حافظ في المقال إلي كتاب بوند الذي يقسم القراء إلي فئة أهل الفكر الذين يحبون قراءة شيء ينشط عقولهم وهؤلاء تنشر لهم قصص بوليسية تتحدي ذكاءهم وفئة أهل النفع الذين يريدون الاستفادة ماديا مما يقرأون وهؤلاء تنشر لهم معلومات تعينهم علي الكسب وتخاطب فيهم الجشع ثم الفئة الأكبر والأهم من جمهور الناس العاديين الذين يرغبون في العثور علي مخرج لرغباتهم المكبوتة ويلتمسون الفرج في عالم الأحلام وهؤلاء يحتاجون إلي دراسة تفصيلية باعتبارهم الزبائن الأكبر عددا.
تفرض ظروف العصر علي كثير من الشبان أن يلازموا مكاتبهم بينما هم بحكم السن يتوقون إلي الحركة ولعجزهم عن ممارسة لعبة رياضية فإنهم يستعيضون عن ذلك بمطالعة قصص أبطال الرياضة ومغامرات المكتشفين والرحالة والطيارين ورواد الفضاء.

ويحتاج الإنسان إلي وقت يلهوفيه ويلعب بحثا عن خلوالبال ولكن دوامة الحياة لا تمنحه ذلك إلا أن الصحافة تتدخل لتعوضه عن هذا الحرمان بنشر روايات هزلية ورسومات كاريكاتورية .

وتلعب الصحافة علي حافز ثالث هوحافز التفوق وهوحلم غالبية البشر ولكن معظمهم لا يملك القدرة علي أن يكون قائدا أوزعيما اومديرا هنا يجد في قصص الشخصيات الناجحة التي تنشرها الصحف متعة تزيد من إقباله عليها.

وتلعب الصحف أيضا علي الفشل في الحب اوالفشل في مواجهة الكبت الجنسي بأن تحدث القارئ عن أفضل أساليب جذب الجنس الآخر ليهرب مما هوفيه مؤقتا إلي عالم من الوهم والخيال .

»‬إن فن البيع يعتمد منذ قديم الأزل علي مخاطبة الوعي عند جمهور المشترين وفي عصرنا صار هذا الفن من أخبث العلوم : يعرف بائع الصابون أن كل امرأة تحسد المرأة الأجمل  منها فيعلن عن صابونة تستخدمها نجمات السينما ويعرف بائع الأحذية أن في العقل الباطن للذكر نزعة نحوالسيادة علي الأنثي فينشر إعلانا تري فيه الحذاء الرجالي تتحسسه امرأة بخدها الناعم وما يفعله البائع في الحالين هوأنه يقدم مخرجاً للرغبات المكبوتة لزبائنه وينفس طريقة فن الصحافة كما صوره لنا الأساتذ بوند» .
»‬ولا باس بفن البيع في حد ذاته ولكن المشكلة هي هل يصلح رسالة تدعوإليها الصحافة المستقلة؟ والإجابة في الغالب بالنفي» .

»‬الصحافة المستقلة عندما تنسب لنفسها أمجاد تطوير فن الصحافة فإنها في الواقع ترسم صورة كاريكاتورية نري فيها صاحبة الجلالة تخاطب رعاياها قائلة : لقد صممت علي أن اتحرر من كل انتماء وارتفعت فوق المذاهب والأحزاب والزعماء من أجل رسالتي المقدسة التي حققتها برفع مستوي طريقتي في البيع ».

»‬وتصبح الصورة أكثر كاريكاتورية إذا ما واصلت صاحبة الجلالة كلامها وأضافت : لقد وجدتكم مرضي بنوازع مكبوتة فوهبت حياتي لابتكار أقراص تدفنونها ولوكنت قد فرطت في رسالتي وبقيت منتمية أوملتزمة لما استطعت أن أؤدي لكم هذه الخدمة الجليلة» .

»‬ولا يعني ذلك أن كل صحيفة مستقلة تلعب اللعبة نفسها فهناك صحف مستقلة تفضل أن تأكل خبزها بطريقة أشرف هي تقديم خدمات إعلامية وثقافية للقارئ ويكفي أن تقرأ صحيفة مثل الموند في فرنسا أونيويورك تايمز أوواشنطن بوست في الولايات المتحدة لتري إلي اي حد ترفض أن تتسلل إلي صفحاتها حيلة من حيل فن الصحافة المزعوم برغم ان الصحيفتين من زعماء ممارسة الاستقلال في الصحافة الحديثة ومن أضخم المؤسسات الرأسمالية».

والحقيقة أن صحيفة هيرالد تربيون كانت النموذج الذي حاولت روز اليوسف السير علي خطاه في الفترات التي نجحت فيها .

في فترة صلاح حافظ وفتحي غانم نجحت المجلة في إعادة القارئ الهارب منها بحرية جريئة جعلت صحيفة نيويورك تايمز تتساءل غير مصدقة : »‬هل صحيح أن الصحافة المصرية استردت حريتها الضائعة ؟».

وفيما بعد عندما توليت مسئولية روز اليوسف نشر يوسف إبراهيم تقريرا في واشنطن بوست تحت عنوان »‬ مجلة لها أشواك في الشرق الأوسط» .

 ويوسف إبراهيم صحفي أمريكي من أصل مصري كان مراسل الصحيفة الأمريكية في المنطقة والتقيت به قبل نشر تقريره الذي ذكر فيه : »‬ إن كبار المسئولين في مصر أصبحوا يخشون روز اليوسف فما تنشره يجد صداه المؤثر في الرأي العام وإن كانت لا تستطيع توجيه نقد للرئيس » .

لكن السؤال الأهم : كيف تعود الروح إلي مجلة ميتة ؟ .

عندما تسلم صلاح حافظ المجلة كان القارئ يريد أن يعرف ما جري في مصر طوال 18 سنة مضت منذ قيام ثورة يوليوإلي رحيل عبد الناصر وهي سنوات طوال دفنت فيها الخبايا تحت طبقة سميكة من الدعاية السياسية روجت لها صحافة حريتها بجانب أغاني وطنية وخطب رئاسية لم تعد مؤثرة .
كل الأسرار محرمات والحقائق مؤجلة حتي يرحل الحاكم لنعرف ما فعل فنحن ننافقه حتي ندفنه ولا نحاسبه إلا بعد أن نفقده .

جاء الدور علي عبد الناصر ليصبح تبة ضرب نار لغالبية التيارات السياسية وإن لم يحدث ذلك إلا بعد إنتصار أكتوبر .

لقد انحني السادات ــ فور توليه الحكم ــ أمام تمثال عبد الناصر ورفض الجلوس علي مقعده وتعهد بأن يمشي علي طريقه وإن أضافت النكتة المصرية : »‬ إنه مشي علي طريق عبد الناصر بأستيكة » .
بدأت الحملة المضادة بكتاب الصحفي في أخبار اليوم سامي جوهر »‬ الصامتون يتكلمون »‬ ترك فيه الحبل علي الغارب لثلاثة من أعضاء مجلس قيادة الثورة هم كمال الدين حسين وحسن إبراهيم وعبد اللطيف البغدادي قالوا في »‬الزعيم الخالد» ما قاله مالك في الخمر .

وتوالت الضربات بنشر مذكرات سيد مرعي وعثمان أحمد عثمان وجلال الدين الحمامصي وكلها اتهمت عبد الناصر في ذمته السياسية ووصفته بالديكتاتورية واتهمته في ذمته المالية لتدعي انه احتفظ لنفسه بمنحة سعودية تقدر بملايين الدولارات وثبت يقينا كذب الإدعاء وانضمت السينما إلي الجوقة بأفلام تخصصت في وقائع التعذيب .

واجهت روز اليوسف أخبار اليوم بنفس السلاح.. سلاح المذكرات السياسية .. ونشر حلقات تحت عنوان »‬الأسرار الشخصية لـ عبد الناصر» كما رواها مدير مكتبه محمود الجيار لـ ضياء الدين بيبرس وهوإذاعي شهير .

بتلك المذكرات حققت روز اليوسف نجاحا سريعا فاستمرت في نفس الطريق ونشرت مذكرات منير حافظ مدير مكتب سامي شرف ومذكرات إبراهيم طلعت عن أيام الوفد الأخيرة ونشرت دراسة مميزة للدكتور فؤاد زكريا بعنوان »‬ عبد الناصر واليسار».

هنا عرفت الجملة الشهيرة التي تتردد علي أسماعنا في روز اليوسف : »‬ شوفوا أخبار اليوم بتعمل ايه واعملوا عكسها».

واشتعلت حرب المقالات بين صلاح حافظ وموسي صبري ربما إلي حد إنني تصورت أنها حرب حتي الموت ولكنها كانت حربا كلامية لم تصل إلي خصومة شخصية .

ذات مساء دعاني صلاح حافظ للعشاء في بيته وما أن دخلت الصالة حتي بهت فقد كان يتصدر السهرة موسي صبري يشرب كاأسا في صحة المضيف وكان إلي جواره يوسف إدريس وأحمد حمروش وهبة عنايت .. صدمت .. بل بهت .. وتساءلت بيني وبين نفسي كيف يتعامل الأعداء مع بعضهم البعض بكل هذا الود ؟ .. هل يخدعونا علي صفحات الجرائد التي يحررونها ؟ .. هل ما يفعلون مسرحية مدبرة ؟ .
جلست صامتا مثل صنم لا أصدقهم ولم ألبث أن تركت المكان منسحبا وأنا في شدة الضيق وعدم الفهم مما رأيت .

في اليوم التالي علمني صلاح حافظ الدرس الذهبي الذي فقدناه فيما بعد .. إن الخلاف في الرأي مهما اشتد لا يجوز أن يمتد إلي العلاقات الإنسانية .. إنها ليست تمثيلية .. ولا يجب أن تكون مجزرة .. إننا لا نتعلم من الكبار الحرفة فقط وإنما نتعلم منهم الأخلاق أيضا .

والمؤكد أن هذه القاعدة دفنت في ذمة التاريخ فما أن يختلف كاتب (أو إعلامي) مع آخر حتي يفتحا كل محابس الصرف الصحي مبتعدين عن القضية الموضوعية إلي فضائح شخصية .

واستفادت السلطة السياسية من ذلك الانهيار في منظومة القيم الصحفية وراحت في الخفاء تدفع رجالها في المهنة لتوجيه الطعنات المسمومة لخصومها علي الورق وأوقعت بين الطرفين وحرضت فيهما نوازع الغل والانتقام .

بل أكثر من ذلك لم تتردد قوي السلطة أيام مبارك في طبع وتوزيع سيديهات جنسية تفضح كل من تريد النيل منهم ولا شك أن واقعة رجل الأعمال الشهير حسام أبوالفتوح مثال مؤلم  علي ذلك .
وعندما انتشرت وسائل التواصل الاجتماعي استشرت الظاهرة وأصبحت عقابا فوريا لكل مخالف يجب الإجهاز عليه .

حاولت جاهدا أن أفصل ما بين ما هوموضوعي وما هوشخصي ولكن الضرب تحت الحزام أصبح القاعدة الشائعة في الميديا مما جعلني استجب إلي طبيعتي وابتعد قدر ما استطيع عن مجتمعات النميمة الصحفية مكتفيا بصداقة راقية مع فناني الصحافة ورساميها .

سعيت للتعرف علي حجازي .. فيلسوف الكاريكاتير بلا تقعر .. الموهوب بلا غطرسة .. المتسامح بلا تورط .. القريب بآرائه إلي حياته .

ولد بالإسكندرية عام 1936 لكنه تربي وتعلم في طنطا حيث يعمل والده سائق قطار وعندما جاء إلي القاهرة للدراسة في كلية الفنون الجميلة اكتشفه أحمد بهاء الدين وضمه إلي رسامي صباح الخير التي تولي بهاء الدين رئاسة تحريرها قبل أن يصل إلي الثلاثين وفي اليوم الأول وجد حجازي ترحيبا حارا من كتيبة الكاريكاتير التي كان يتصدرها صلاح جاهين وجورج البهجوري ورجائي ونيس وناجي كامل وصلاح الليثي ليشكل حجازي بينهم جيل الوسط الذي فتح الباب أمام جيل جديد جاء بعده كان ابرز نجومه جمعة فرحات ورؤوف عياد ومحسن جابر .

تعلمت من حجازي فضيلة الاستيقاظ مبكرا فقد كان يأتي إلي مكتبه في السادسة صباحا لينجز ما عليه قبل أن تسود الفوضي في المكان ورغم ندرة كلامه فإن جمله القصيرة كانت مأثورة مثل : »‬ نقاء الصحفي سر استقراره النفسي ».

ولتجانسه مع نفسه وجد أن زوجته لا ذنب لها في تحمل نزواته وتقلباته فاتفقا علي الطلاق بهدوء وصارا صديقين وعندما كان يشعر بخنق ريشته سياسيا لم يكن ليتردد في الرسم للأطفال وعندما بدأت صحف المعارضة في الظهور وجد مكانه علي صفحاتها ولم يتقاض أجرا منها وقبل الستين قرر أن يخرج إلي المعاش بنفسه قبل أن يجبر علي ذلك وعندما قرر ترك القاهرة والعودة إلي طنطا تنازل عن شقته لصاحب العمارة دون خلورجل كما حصل عليها .

وبينما جلس صلاح الليثي في غرفة ضيقة يمزق رسوماته التي لا تضحكنا اختار ناجي كامل صالة التحرير الصاخبة لينفذ ما يطلب منه في هدوء .

وبينما كانت شقة رؤوف عياد ملاذا آمنا لما نريد نقلتنا سيارة جمعة فرحات الفيات إلي حيث نشاء دون تحمل تكاليف البنزين .

وبينما كان حسن فؤاد يدعونا للغذاء أحيانا في فندق شبرد فيما يسميه بـ »‬سهرة الظهر» لم يتردد محسن جابر في دعوتنا إلي وجبات فول أوعدس أوطعمية في شقته المتواضعة في إمبابة بشرط أن ندفع ثمنها .

لقد علمني هؤلاء الفنانون العظام أن الإبداع يحتاج أضعاف عمر المبدع فلا يهدر وقته في الدسائس والمؤامرات فطريقها مهما بدا مغريا سيكون مسدودا في النهاية .

لم لا نتعلم سوي الدروس السيئة متجاهلين الدروس الراقية التي يصعب خلق تجربة مهنية ناحجة بدونها؟

عدد المشاهدات 401

الكلمات المتعلقة :