الرئيسية

إنهــا مصـــــــر

قطار سوف يدهس الصحافة


كــــــــــــرم جبــــــــــــر

  كــــــــــــرم جبــــــــــــر
3/9/2018 8:00:22 PM

‎الثورة الرابعة أو »الرقمية»‬ قطار بالغ السرعة، وإذا لم تنتبه له الصحافة من الآن، فلن تلحق به أو سوف يدهسها، فليس في استطاعة أحد أن يوقفه أو يهدئ من سرعته، وإذا ظلت الصحافة الورقية تلعب دور حارس القبور، علي ما تظن أنه المستقبل، فلن يخرج مصيرها عن أحد أمرين.. إما الانزواء أو الاختفاء.
‎الثورة الرقمية »‬الرابعة» هي الأكثر سرعة من الثورات الثلاث السابقة التي غيرت مجري البشرية، فالأولي ثورة »‬الآلات»، استبدلت العضلات البشرية »‬العمال» بالأذرع الحديدية »‬الآلات»، ولكنها لم تمتد إلي العقول والمحتوي والأفكار.. والثورة الثانية »‬الكهرباء»، أنارت ظلمات الأماكن أكثر من محتويات الأفكار.. والثورة الثالثة »‬الحاسبات الإلكترونية»، فكانت مؤثرة في توسيع طاقات العقل البشرية في مختلف المجالات، حتي جاءت الرابعة »‬الرقمية» لتقتحم عقر دار المعرفة، التي هي أهم أذرع الصحافة، وتخطتها إلي إدارة المعرفة وتطبيق المعرفة.
‎ماذا سوف نفعل في المستقبل القريب جداً ؟ إنها الصحافة، الصناعة الضخمة التي تضم آلاف العاملين والأصول والمباني والمعدات والمطابع.. ولكن ليس في وسعها أن تتحمل لسنوات لن تطول نزيف الخسائر الذي لا يتوقف، وسوف ينقطع في يوم ما »‬الحبل السري» الذي ينقل لها عصارة الحياة من الدول والحكومات.. والأهم هو مواجهة آثار تهميش كثير من الفئات وخروجهم من سوق العمل، وتزايد المخاطر الأمنية نتيجة زيادة معدلات البطالة، وتقويض العلاقات الإنسانية أكثر مما نراه الآن.
‎لا أزعم أن تحت يدي روشتة جاهزة.. ولكن مجموعة من الأفكار والرؤي التي تحتاج نقاشاً واسعاً، يمزج بين الدراسات النظرية والخبرات العملية، قبل أن يدهمنا القطار، الذي يطلق صافرته الآن، وحتي لا يصبح الإنسان الذي يصنع الثورة عبداً لها، ويفعل مثل الذي يحضر العفريت ولا يعرف كيف يصرفه.
‎وما دام الإنسان هو سيد الثورة وصانعها، فتهيئته لتوابعها وآثارها ضرورة لا مفر منها، وفي حالة الصحافة الورقية التي تعنينا، فلن تنطلق طاقات الإبداع ولن ينفك أسر الخيال، إلا بالتدريب والتأهيل، ليس بطريقة ملء الفراغ، والحصول علي شهادات ورقية لا تساوي قيمة الحبر الذي كتبت به، وإنما بالبرامج العلمية الجادة والمتخصصة، كيف يحدث ذلك ؟ »‬الشرح يطول».
‎الأمر الثاني: كيف يمكن للجريدة الورقية البائسة أن تنافس وسائط النشر الإلكترونية المذهلة؟.. الفيديوهات والصور المتحركة والألوان المذهلة وتويتر وفيس بوك والتفاعل بين السوشيال ميديا وزائريها والصحافة المسموعة وغيرها من التطورات المذهلة التي تفاجئنا كل يوم.. وهل يمكن أن تقتحم الجرائد مجالات الطباعة ثلاثية الأبعاد لإنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ »‬الشرح يطول».
في صالح الصحافة الورقية طاقات الإبداع والخيال واللغة الجميلة والفكر الصالح، وكلها ملكات بشرية لا تمتلكها الآلات ولا الثورات الرقمية، وتحتاج تفعيلها إلي أقصي درجة، للاحتفاظ بميزة »‬إبداع العقول» وليس »‬هرولة» التنقل بين المواقع.. لكن كيف يحدث ذلك والأجيال الجديدة التي تستحوذ أكثر من نصف المجتمع، أصبحت لهم لغة خاصة مستوحاة من السوشيال ميديا والعولمة والثقافات الأجنبية؟
‎إننا في حاجة لأفكار وحلول إبداعية، من داخل الصندوق وليس خارجه، لأنني أشعر أن عبارة »‬خارج الصندوق» مقدمة لأفكار هزيلة، وأن نتفاءل بأن الثورة الرابعة يمكن أن تحمل فرصاً واعدة لتواكب التحدي الكبير، وأن نعلن حالة التأهب القصوي لقطار جامح لا نستطيع أن نوقفه أو نتحكم في سرعته.
في أوربا والدول المتقدمة يصنعون الثورات العلمية، ويدرسون كيفية التصدي لسلبياتها وآثارها.. وفي الشرق والدول الطيبة يستوردون الثورة الرقمية، لتوظيفها في الألعاب الإلكترونية وغرف الدردشة، ومن لا يهيئ نفسه للمستقبل، عليه أن يقتنع بالبكاء علي أطلال الماضي.

عدد المشاهدات 83

الكلمات المتعلقة :