الرئيسية

أحداث »محمد محمود« الأولي

مصطفي بكري يكتب : من 25 يناير إلي 30 يونيو.. ثورة أم مؤامرة؟ »١٢«


  
5/11/2018 6:22:41 PM

عاشت مصر مع نهاية عام 2011 أحداثًا فوضوية كبيرة من بينها أحداث شارع محمد محمود التي استمرت لعدة أيام وسقط خلالها أعداد كبيرة من الضحايا والمصابين من المتظاهرين ورجال الأمن علي السواء.
وفي الحلقة الثانية عشرة يكشف الزميل الكاتب الصحفي مصطفي بكري الهدف الرئيس وراء هذه الأحداث التي قادها حازم أبوإسماعيل بتحريض مباشر من جماعة الإخوان، والتي استهدفت إقالة حكومة عصام شرف وتأجيل الانتخابات البرلمانية ومطالبة الجيش بالعودة إلي ثكناته.. وقد رفض المشير طنطاوي في هذا الوقت اقتراحًا بتولي البرادعي منصب رئيس الوزراء خلفًا لرئيس الحكومة المستقيل د. عصام شرف.

تصاعدت الضغوط علي المجلس العسكري بعد نشر الشائعات والأكاذيب التي قالت إن المجلس طامع في السلطة وأنه يرفض تسليمها إلي مجلس رئاسي مؤقت لضمان إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية بحيدة ونزاهة.
وقد شهد شهر نوفمبر من عام 2011، تنسيقًا مشتركًا بين الإخوان وبعض القوي السلفية والحركات الاحتجاجية المعادية للدولة مثل حركة 6 أبريل والاشتراكيين الثوريين وبعض الائتلافات الشبابية والتي كانت من صنيعة الإخوان أنفسهم.
كان الإخوان حتي هذا الوقت يتحركون من خلف الكواليس، للحفاظ علي علاقتهم بالمجلس العسكري،‮ وفي نفس الوقت ضمان نجاح مخططاتهم التي تستهدف إجبار المجلس علي تسليم السلطة للمجلس الرئاسي المؤقت المقترح تشكيله.
في هذا الوقت تواصلت جماعة الإخوان سرًا مع الحركة السلفية التي كان يقودها حازم أبوإسماعيل »حازمون« وبعض الحركات الأخري للإعداد لمظاهرة حاشدة في ميدان التحرير تحمل اسم «جمعة المطلب الواحد».
وفي اليوم المحدد 18 نوفمبر 2011، كنت أتابع الأحداث عن كثب من مكتبي الكائن بالقرب من ميدان التحرير، حيث كانت الحشود تتدفق علي الميدان منذ الصباح، وضمت إلي جانب الحركات الإسلامية والاحتجاجية عددًا من أسر الشهداء الذين سقطوا في الميادين أثناء الأحداث.
مطالب المتظاهرين
لقد تحددت مطالب المتظاهرين في هذا اليوم في أربعة مطالب رئيسة هي:
- تسليم السلطة لمجلس رئاسي مدني في موعد أقصاه 15 مايو2012.
- التنديد بالمحاكمات العسكرية للمدنيين.
- التنديد بالمواد فوق الدستورية.
- رفض وثيقة السلمي.
وقد تزايدت أعداد المحتشدين في الميادين حتي بلغت وفق التقارير المنشورة في هذا الوقت أكثر من مليون ونصف المليون متظاهر في العديد من المحافظات،وتحديدًا القاهرة والإسكندرية والسويس وغيرها.
وقد قام المسئولون عن المنصة الرئيسية في ميدان التحرير بإذاعة الأغاني التي ألهبت حماس المتظاهرين، بينما ردد المتظاهرون شعارات: «علي الأقصي رايحين شهداء بالملايين»، «مطلوب تسليم السلطة لمجلس رئاسي مدني»، «الشعب يريد تسليم السلطة في مايو».
وقد كانت أهم المنصات الرئيسية التي تولت قيادة المتظاهرين في ميدان التحرير هي منصات «الإخوان - الشيخ حازم أبوإسماعيل وحركته حازمون - حزب النور».
ورفع الشيخ حازم أبوإسماعيل والمجموعات المرتبطة به شعارات مناوئة للمجلس العسكري في هذا اليوم وكان بعضها يطالب بمحاكمة المشير حسين طنطاوي وإعدامه، ورفعت في أركان الميدان شعارات عديدة تطالب بإقالة حكومة عصام شرف وتشكيل حكومة إنقاذ وطني من الثوار وبعض القوي السياسية والدينية المختلفة.
وفي مساء ذات اليوم انصرف حازم أبوإسماعيل وأنصاره من الميدان مهددين بالعودة إليه مرة أخري،‮ بينما بقي بعض أسر الشهداء وأعداد من المصابين الذين أصروا علي الاعتصام لحين تحقيق مطالبهم، وانضم إليهم عدد من رموز وكوادر القوي الثورية وعناصر جماعة الإخوان وعدد محدود من السلفيين.
الجيش يدرس الموقف
في مساء هذا اليوم تم تدارس الموقف جيدًا داخل القيادة العامة للقوات المسلحة، ووزارة الداخلية، وتم الاتفاق علي فض الاعتصام خوفًا من تدهور الأوضاع في الميدان، فقامت قوات الأمن المركزي بتفكيك الخيام وإحراقها وطرد المعتصمين إلي خارج الميدان، مما أدي إلي وقوع اشتباكات بين المعتصمين ورجال الأمن، بعد أن رفض المتظاهرون إنهاء اعتصامهم، ثم سرعان ما حدثت عمليات كر وفر بين الجانبين تطورت إلي مواجهات بعد أن قام المتظاهرون بتحطيم عدد من سيارات الأمن المركزي،‮ فرد عليهم الأمن بالقنابل المسيلة للدموع، وتحول الميدان إلي ساحة حرب حقيقية بين الجانبين.
وأمام المشهد الذي كانت تنقله وسائل الإعلام علي الهواء مباشرة، وتحديدًا «قناة الجزيرة القطرية» بدأت عناصر الإخوان والسلفيين وبعض الفئات الأخري تتوافد إلي الميدان «ومن بينهم حازم أبوإسماعيل وجماعته» وقد أصيب في هذا الوقت العشرات من رجال الأمن والنشطاء والصحفيين، وكان من بين الذين أصيبوا إصابات بالغة في هذه الأحداث الناشط السياسي «أحمد حرارة» الذي تردد أنه فقد عينه الثانية، بعد أن فقد عينه الأولي في أحداث العنف التي وقعت في الثامن والعشرين من يناير من العام نفسه.
لقد لعبت قناة الجزيرة ومكتبها في القاهرة دورًا رئيسيًا في تأزم الأوضاع داخل الميدان، بعد أن صورت الأمر وكأن رجال الأمن يهاجمون أسر الشهداء ويعتدون عليهم، فانتشرت المظاهرات في عدد من المحافظات الأخري،‮ حيث زحف الآلاف إلي المنطقة العسكرية الشمالية بالإسكندرية يرفعون نفس الشعارات،كما اقتحم المتظاهرون في السويس مبني الحي بالمدينة وأحرقوا أجزاء منه.
أحداث محمد محمود
عندما توجه الآلاف باتجاه شارع محمد محمود محاولين الوصول إلي مبني وزارة الداخلية للاعتداء عليه، تصدت قوات الأمن لمواجهة هذه العناصر الفوضوية،وظلت الاشتباكات مستمرة لمدة 18 ساعة حتي صباح اليوم التالي واستخدمت فيها طلقات الخرطوش وقنابل المولوتوف والغازات المسيلة للدموع.
وفي هذا اليوم «19 نوفمبر» سقط الشاب محمد أحمد محمود «23 سنة» برصاصة قاتلة في شارع محمد محمود، لم يعرف أحد مصدرها ولا من أين جاءت، إلا أن الاتهامات اتجهت نحوالعناصر المجهولة التي كانت تتعمد إشعال الفتنة في هذا الوقت.
وفي اليوم التالي «20 نوفمبر» وبعد اشتباكات استمرت حتي الساعة السابعة صباحًا، استطاع المتظاهرون السيطرة علي ميدان التحرير مرة أخري،‮ خاصة بعد تراجع قوات الأمن نتيجة نفاد الذخيرة منها.
استرداد الميدان
ولم تمض سوي ساعات قليلة حتي سعت الشرطة إلي استرداد الميدان مرة أخري خاصة بعد تعثر المفاوضات التي جرت في مسجد عمر مكرم بين قادة المتظاهرين ورجال الأمن.
وفي عصر هذا اليوم اشتعلت النيران بأحد المباني السكنية بشارع محمد محمود نتيجة القصف العشوائي،‮ ولم تتمكن سيارات الدفاع المدني من الوصول إلي مكان الحريق بسبب كثافة الاشتباكات، وظل الوضع علي حاله حتي الساعة الرابعة والنصف مساء، حيث تدخلت قوات مشتركة من الجيش والشرطة لإنهاء الوضع المتأزم وإعادة الأمن والاستقرار إلي ميدان التحرير والمناطق المحيطة به.
وقد اسفرت الاشتباكات عن سقوط عشرة أفراد من المتظاهرين وإصابة حوالي 1700 شخص من رجال الجيش والشرطة والمتظاهرين.
وفي هذا الوقت راحت قناة الجزيرة وبعض القنوات الأخري تشعل نار الغضب،عندما ظهر بعض الجنود وهم يسحبون جثة أحد المتظاهرين ويلقونها إلي جوار الطريق قرب تجمع للقمامة، مما لقي استنكارًا شعبيًا واسعًا في الداخل والخارج.
وما هي إلا ساعات قليلة حتي انضم المئات من شباب «الألتراس» إلي المتظاهرين ليزيدوا من اشتعال النيران وتزايدت حدة الاشتباكات، مما دفع رجال الأمن إلي التراجع لتجنب سقوط المزيد من الضحايا.
كانت الأوضاع في البلاد تزداد تعقيدًا، وقد أصدر مجلس الوزراء بيانًا في مساء ذات اليوم أكد فيه علي حق المواطنين في التظاهر السلمي والتعبير عن الرأي،‮ إلا أنه أعلن رفضه بشدة محاولات استغلال هذه التظاهرات لزعزعة الأمن والاستقرار وإثارة الفرقة في وقت تحتاج فيه مصر إلي الوحدة والاستقرار.
وأكد مجلس الوزراء في بيانه التزامه الكامل بإجراء الانتخابات في موعدها في 28 نوفمبر 2011، وقال «إن التوتر المفتعل حاليًا يهدف لتأجيل الانتخابات أوإلغائها، وهو لن يتم السماح به».
وشدد البيان علي دعم الحكومة لوزارة الداخلية ومساندتها في مواجهة أعمال العنف ووجه الشكر للضباط والجنود علي تحليهم بأقصي درجات ضبط النفس.
استقالة الحكومة
وفي يوم الاثنين 21 نوفمبر ظلت العناصر المناوئة تزحف إلي شارع محمد محمود، فامتدت الاشتباكات إلي ميدان الفلكي وشارع الشيخ ريحان، ومع تزايد حالة الغضب في الشارع المصري نتيجة المعلومات المغلوطة التي كانت تبثها «قناة الجزيرة» وبعض الفضائيات المصرية، دعت بعض الأحزاب والقوي السياسية والإسلامية إلي مليونية في اليوم التالي تحت عنوان: «مليونية التوافق الوطني» للمطالبة بإقالة الحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ وطني بصلاحيات رئيس الجمهورية، بينما ارتفع عدد الضحايا في نهاية هذا اليوم إلي حوالي 24 شخصا ووصل عدد المصابين إلي 1902 مصاب من المحتجين، كما أصيب 105 من رجال الشرطة من بينهم 24 ضابطًا.
وفي هذا اليوم بدأت تتردد معلومات عن تقدم حكومة د. عصام شرف باستقالتها إلي المشير طنطاوي،‮ إلا أن المشير طلب تأجيل الاستقالة إلي وقت لاحق،وبالرغم أن د. عصام شرف اضطر إلي إعلان الاستقالة في وسائل الإعلام دون العودة إلي المشير، إلا أن ذلك لم يكن كافيًا لإنهاء حالة التوتر التي سادت في البلاد، خاصة مع ارتفاع أعداد الضحايا المصابين، واستمرار حملات التحريض الإخوانية لإجبار المجلس العسكري علي تسليم السلطة فورًا إلي مجلس مدني مؤقت، وعودة الجيش إلي ثكناته.
اللقاء المفاجئ
في هذا الوقت اتصلت بالفريق سامي عنان «رئيس الأركان» وقلت له: «إلي متي سيظل المشير طنطاوي يلتزم الصمت، لماذا لا يتوجه بخطاب إلي الشعب يوضح فيه الحقائق ويكشف فيه تفاصيل المؤامرة؛ ولماذا لا يجري تغييرًا وزاريًا ويأتي بحكومة قوية تنقذ البلاد مما آلت إليه الأوضاع من فوضي وأزمات متلاحقة؟!».
نقل الفريق عنان رسالتي إلي المشير طنطاوي الذي كان يشارك في اجتماع للمجلس العسكري المصغر في هذا الوقت، وبعد قليل فوجئت بالفريق سامي عنان يتصل بي ويسألني: أين انت الآن؟!
فقلت له: أنا في منزلي،‮ فقال لي: إذن تعالي سريعًا إلي مقر وزارة الدفاع، لقد نقلت رسالتك إلي السيد المشير ونريدك الحضور فورًا.
ارتديت ملابسي،‮ ومضيت إلي مبني وزارة الدفاع بشارع الخليفة المأمون بمصر الجديدة، وبينما أنا في طريقي إلي الوزارة حدثني اللواء مختار الملا، عضوالمجلس الأعلي للقوات المسلحة، وقال أنا منتظرك في مكتبي فور وصولك إلي  مبني وزارة الدفاع في حوالي الواحدة والنصف ظهرًا وصلت إلي مكتب اللواء مختار الملا،‮‬تحدثنا سويًا في تطورات الوضع الراهن،‮ ‬وبعد قليل فوجئت بحضور المشير حسين طنطاوي ومعه اللواء سامح صادق‮ «عضوالمجلس الأعلي»  ‬إلي مكتب اللواء مختار الملا‮.‬
كان رئيس الأركان يلتقي في هذا الوقت بعض ممثلي القوي السياسية لمناقشة ما يجري علي الساحة ورؤيتهم للحكومة الجديدة، حكومة الإنقاذ الوطني التي يطالب بها المتظاهرون‮.‬
لقد أدركت الآن أن المشير هوالذي طلب من الفريق عنان أن يتصل بي،‮‬ولذلك قرر أن يلتقيني في مكتب اللواء مختار الملا‮.‬
كان المشير متعبًا،‮ ‬ومنهكًا،‮ ‬لكنه كان متماسكًا وهادئ الأعصاب‮ ..‬حاول اللواء مختار الملا أن يترك مكتبه،‮ ‬ويجلس إلي جوارنا،‮ ‬إلا أن المشير أشار إليه بالبقاء في مكانه،‮ ‬بينما جلس المشير علي كرسي في مواجهتي وإلي جواري اللواء سامح صادق‮.‬
‮• ‬قال لي المشير‮: ‬أريد أن أسمع رأيك وتقييمك لما يجري.‬
‮ ‬ـــ قلت له‮: ‬يا سيادة المشير،‮ ‬الأوضاع تزداد تدهورًا،‮ ‬والناس تنتظر سماعك ومواقفك لإنهاء التوتر الحاصل في البلاد‮.‬
‮ ‬وعرضت وجهة نظري في هذا الوقت في عدد من النقاط المهمة‮:‬
‮١- الإسراع في تغيير الحكومة وتشكيل حكومة إنقاذ وطني تضم قيادات قريبة إلي الشارع وتعبر عن أهداف الثورة‮.‬
‮٢- التأكيد مجددًا أن المجلس الأعلي ليس طامعًا في سلطة وأنه ملتزم بتسليم السلطة في موعدها،‮ ‬كما سبق أن تعهد.
‮٣- لابد من اتخاذ إجراءات فاعلة تعيد الأمن إلي الشارع،‮ ‬في مواجهة عمليات البلطجة التي تهدد استقرار البلاد وترتكب جرائم جنائية ضد الآمنين من المواطنين‮.‬
‮٤- لابد من التحاور مع شباب الثورة الوطني والاستماع إلي مطالبهم لأنهم يشعرون أن المجلس العسكري لا يتواصل إلا مع الأحزاب والقوي السياسية‮.‬
‮٥- لابد من أن تقوم سيادتكم بإلقاء خطاب يتضمن بيانًا إلي الشعب مساء اليوم،‮ ‬تؤكد فيه هذه المطالب،‮ ‬حتي تخفَّ‮ ‬حدة التوتر في البلاد،‮‬خاصة أن الناس في الشارع تحمَّل المجلس العسكري المسئولية الكاملة‮.‬
‮• ‬قال لي المشير‮: ‬المجلس العسكري،‮ ‬وأنت تعرف ذلك،‮ ‬لم يألُ‮ ‬جهدًا منذ اليوم الأول لتسلمه السلطة،‮ ‬لقد سعينا منذ البداية أن نسلم السلطة في الموعد المحدد،‮ ‬أي بعد ستة أشهر من تاريخ تسلمنا السلطة،‮‬ولكن الأحزاب وشباب الثورة طلبوا منا البقاء لفترة من الوقت،‮ ‬حتي يتمكنوا من إعداد أنفسهم،‮ ‬وتشكيل أحزابهم،‮ ‬حتي يستعدوا لدخول الانتخابات البرلمانية والمشاركة فيها‮.. ‬ولكن ها أنت تري،‮ ‬الإهانات والشتائم التي تُرفع في ميدان التحرير،‮ ‬وكأننا أجرمنا في حق هذا البلد‮.‬
‮•• ‬قلت‮: ‬أعرف سيادة المشير،‮ ‬مدي إخلاصك،‮ ‬وأدرك أن هناك قوي لها مصلحة في أن يتخلي المجلس العسكري عن دوره في هذه الفترة وأن يسلم السلطة‮.‬
‮• ‬قاطعني المشير قائلاً‮: ‬نسلمها لمن؟‮! ‬قل لي من هوالشخص الذي يتفق عليه الناس لتسلم السلطة؟ هذا سيقود إلي مزيد من الخلاف والمشكلات‮..‬نحن تعهدنا بإجراء انتخابات برلمانية،‮ ‬وقد بدأنا بالفعل في إعداد العدة،‮ ‬وأنا مصمم علي إجرائها في موعدها مهما كانت العقبات أوالاعتراضات،‮ ‬هذه مسئوليتنا،‮ ‬أن نسلم البلد بقيادة منتخبة وبرلمان منتخب،‮ ‬ثم سألني: ‬هل يعجبك ما يحدث في شارع محمد محمود؟‮!‬
‮•• ‬قلت له‮: ‬بالقطع أحداث العنف التي تجري تنال سخط الجميع،‮ ‬ولكن الشباب يقول إن هناك بطئًا في اتخاذ القرارات،‮ ‬وهناك عدم توضيح الحقائق للناس‮.‬
‮• ‬قال المشير‮: ‬يؤسفني أن أري الدماء تسيل،‮ ‬والحرائق تشتعل،‮ ‬ونحن مقبلون علي الانتخابات،‮ ‬هناك أيادٍ‮ ‬خفية لا تريد الاستقرار لهذا البلد،‮ ‬لكننا مصممون علي الوفاء برسالتنا كاملة‮.‬
وقال: لقد تحملنا أعباء عديدة منذ بداية الثورة،‮ ‬وكنا دومًا نحاول الاستجابة لمطالب الأحزاب والقوي الثورية،‮ ‬أبوابنا مفتوحة للجميع،‮‬ولكن يؤسفني القول إن الإهانات التي تتلقاها القوات المسلحة من البعض،‮‬هدفها دفعنا إلي اليأس وترك السلطة،‮ ‬لتغرق البلاد في فوضي عارمة،‮ ‬مع أني أعرف أن الشعب مع الجيش،‮ ‬والتاريخ سيحكم علي دور القوات المسلحة وتظهر الحقيقة يومًا ما‮.‬
‮• ‬قلت للمشير‮: ‬ولماذا لا تخرج سيادتك إلي الناس وتخطب وتصارحها بحقائق الوضع؟‮.. ‬أنا أعددت مجموعة من المطالب التي يجب التركيز عليها‮.‬
‮•• ‬قال المشير‮: ‬أين هي؟
سلمت إليه أربع ورقات،‮ ‬كنت قد أعددتها في السيارة،‮ ‬وكنت أنوي تقديمها إلي الفريق سامي عنان،‮ ‬ليسلمها بدوره إلي المشير طنطاوي‬.
سألني المشير‮: ‬ما رأيك في د. محمد البرادعي ‬لتولي منصب رئيس الوزراء وابلغني باسم أحد المرشحين؟
‮• ‬قلت له‮: ‬أنا شخصيًا لا أشجع ذلك، فهذا الرجل له أجندته الخارجية،وهوشخص عليه شبهات كثيرة ولم يدخل مصر منذ أكثر من 30 عامًا.
‮•• ‬نظر المشير إلي اللواء الملا واللواء سامح صادق وقال‮: »‬لقد قلت لكم الكلام أنا غير راضٍ،‮ ‬وأنا شخصيًا لست متحمسًا لهذا الترشيح، ولن أقبل به.
تحاورنا في أسماء أخري عديدة،‮ ‬لقد طلب مني المشير أن أطرح عليه بعض الأسماء لتولي المنصب،‮ ‬ومن بين الأسماء التي طرحتها د. حسام عيسي والسيد عمروموسي،‮ ‬ولم يُطرح اسم د. الجنزوري في هذا اللقاء،‮ ‬ولكن عندما علمت قبل الإعلان باختياره،‮ ‬كنت أدرك أن الرجل هوالأفضل لهذه المرحلة،‮ ‬ثم عرفت بعد ذلك أن الإخوان المسلمين كانوا يشجعون هذا الاختيار، لأسبابهم الخاصة!!
مضيت من مبني وزارة الدفاع إلي مكتبي بعد لقائي مع المشير،‮ ‬وفي المساء،كان المشير يلقي خطابه والذي ركز فيه علي عدد من النقاط، كان أسامة هيكل وزير الإعلام في هذا الوقت قد شارك في صياغتها وهي:
‮- ‬أن القوات المسلحة لن تكون بديلاً‮ ‬عن الشرعية التي ارتضاها الشعب،‮‬فلم تطمح إلي اعتلاء كرسي الحكم،‮ ‬ولم تسعَ‮ ‬إليه‮.‬
‮- ‬أن القوات المسلحة تعرضت للتجريح والإهانة في حالات كثيرة،‮ ‬وأنه جري تجاوز ذلك علي خلاف طبيعة العمل العسكري‮.‬
‮- ‬أن القوات المسلحة وإدراكًا منها لطبيعة المرحلة الانتقالية كانت ومازالت علي قرارها الأول منذ اندلاع ثورة 25 ‬يناير،‮ ‬فلم تطلق رصاصة علي صدر مواطن مصري،‮ ‬انطلاقًا من عقيدتها الراسخة بوصفها جزءًا من شعب مصر،‮ ‬مهمتها الدفاع عن الوطن،‮ ‬ولا يمكنها الوقوف أبدًا ضد الشعب.
ضبط النفس  
‮- ‬أن القوات المسلحة رفضت جرَّها لمواجهات،‮ ‬والتزمت دومًا بضبط النفس رغم جميع محاولات الاستفزاز‮.‬
‮- ‬أن المجلس الأعلي للقوات المسلحة لم ينفرد باتخاذ قرار سياسي بعينه،‮‬بل كان يجري إشراك القوي السياسية والوطنية وائتلاف شباب الثورة فيه،‮‬وكان المجلس يسعي إلي اتخاذ القرار الأقرب إلي التوافق‮.‬
‮- ‬أن المجلس الأعلي بدأ منذ اليوم الأول التخطيط لإنجاز عملية سياسية تنتهي بتسليم مقاليد الحكم إلي سلطة مدنية حرة منتخبة،‮ ‬ولكن كلما نقترب من موعد إجراء الانتخابات يزداد التوتر والخلاف بشكل‮ ‬غير مبرَّر علي الاطلاق‮.‬
‮- ‬أن المجلس الأعلي للقوات المسلحة لا يهمه سوي مصلحة الوطن ولا يهمه من سيفوز في الانتخابات أومن يتولي الرئاسة،‮ ‬فالأمر كله مرهون بإرادة الشعب،‮ ‬ولا رجعة في هذا التوجه الديمقراطي الذي ارتضاه شعب مصر وناضل
من أجله في ثورة 25 ‬يناير‮.‬
‮- ‬أن المجلس الأعلي يقف علي مسافة واحدة من الجميع،‮ ‬وأنه لن ينحاز لطرف علي حساب أطراف أخري،‮ ‬فالقوات المسلحة تحمي الشعب دون تصنيف أوانتقاء‮.‬
‮- ‬أن القوات المسلحة ترفض رفضًا تامًا ما يشهده الشارع المصري ووسائل الإعلام من محاولات التشويه والتخوين،‮ ‬فالجيش يتحمل مسئولية وطنية في ظروف تاريخية استثنائية،‮ ‬ولا يطمح إلي تولي الحكم،‮ ‬ولا يبغي إلا وجه الله والوطن‮.‬
وفي نهاية الخطاب أكد المشير طنطاوي: ‬قبول استقالة حكومة د. عصام شرف وتكليفها بالاستمرار في العمل لحين تشكيل حكومة جديدة،‮ ‬الالتزام بإجراء الانتخابات،‮ ‬تسليم السلطة في موعدها‮.‬
وقد أكد المشير أن القوات المسلحة علي استعداد لترك المسئولية والعودة فورًا إلي مهمتها الأصلية في حماية الوطن إذا أراد الشعب من خلال استفتاء شعبي إذا اقتضت الضرورة‮.‬
بقاء الجيش ضروره
في اليوم التالي تحدثت مع الفريق سامي عنان،‮ وتحاورنا حول خطاب المشير وردود الفعل تجاهه.
كان الاتجاه السائد لدي العديد من أعضاء المجلس العسكري في هذا الوقت طرح مسألة بقاء الجيش في السلطة لحين استكمال المرحلة الانتقالية للاستفتاء الشعبي استنادًا إلي ما تضمنه خطاب المشير طنطاوي‮.‬
حين عُرض الأمر علي اجتماع المجلس الأعلي للقوات المسلحة كان هناك اتجاهان‮:‬
الأول‮: ‬يري أن طرح الأمر علي الاستفتاء ضرورة تفرضها مقتضيات الحالة الراهنة التي تعيشها البلاد،‮ ‬خاصة في مواجهة التصعيد الدائم والمستمر من بعض القوي السياسية والتيارات الشبابية التي تطالب المجلس العسكري بتسليم السلطة فورًا،‮ ‬ورأي أصحاب هذا الطرح أن هذا الاستفتاء سوف يعكس رأي الشعب المصري ومدي ثقته في قواته المسلحة،‮ ‬وهوبالتأكيد سيكون لصالح استمرار المجلس الأعلي في إدارة المرحلة الانتقالية لحين إجراء انتخابات مجلسي الشعب والشوري وتسليم السلطة إلي رئيس منتخب‮.‬
أما الاتجاه الثاني فكان يري أنه بالرغم من أن الاستفتاء مهم لأنه سيعكس رأي الشعب في أداء المجلس العسكري ومدي ثقته في قواته المسلحة،‮ ‬ورغم التأكد من أن نتيجة الاستفتاء ستكون لصالح خيارات المجلس العسكري،‮ ‬فإنه لا يصح أن تكون ثقة الشعب في قواته المسلحة موضعًا للاستفتاء،‮ ‬وأنه من الأفضل الاستمرار في أداء المهمة لحين انتهاء الفترة الانتقالية،‮ ‬ولا يجب الخضوع لابتزاز أي فئة لها حساباتها السياسية أومطامعها في السلطة بعيدًا عن الطريق الطبيعي الذي حدده الإعلان الدستوري الصادر ف 30 ‬مارس 2011.‬
وبعد مناقشات مطولة حُسم الأمر لمصلحة الاتجاه الثاني الذي طالب بالمضي في إتمام إدارة الفترة الانتقالية مهما كانت العقبات أوالإهانات التي توجَّه من قِبل بعض الفئات ضد الجيش ومجلسه العسكري.‬



عدد المشاهدات 498

الكلمات المتعلقة :