الرئيسية

نقطة فوق حرف ساخن

ثـــورة مســــاهمــة مصــريــــة


  عمرو الخياط a.elkhayat@me.com
5/11/2018 6:57:53 PM

تعالوا نتخيل معاً أن »دولة ٣٠يونيو»‬ القائمة شرعيتها علي إزاحة التنظيم الإخواني العصابي من حكم البلاد بعدما وضع يده عليها بالإكراه قررت التصالح مع هذا التنظيم، تعالوا نتخيل أن هذه الدولة الصلبة قررت أن تهدر شرعية نفسها بنفسها، عند هذه الفرضية فلنتصور ما الذي يمكن أن تفرزه متمثلا في الآتي :
■ القبول بالمصالحة يستوجب أن تعتذر دولة ٣٠ يونيو للإخوان بعدما ثبت أنه تنظيم قابل للتفاوض والاستماع للآخر وقبوله،ولم يكن هناك داع  للصدام معه.
■ القبول بالمصالحة يبرر جميع  جرائم التنظيم التي ارتكبها مضطراً رداً علي عدوان دولة ٣٠ يونيو التي لم تمنحه فرصة استكمال العمل السلمي.
■ مسئولية دولة ٣٠ يونيو عن جميع الدماء التي سالت من جميع الأطراف لأنها لم تقدم خيار الحوار منذ البداية.
■ نفي رسمي لفعل الخيانة الذي تحاكم به قيادات الإخوان الآن.
■ التشكيك في نزاهة واستقلالية القضاء المصري وفتح المجال أمام التقول باستخدامه سياسياً.
■ الاعتراف بفقد دولة ٣٠ يونيو لظهيرها الشعبي وبالتالي لم يعد أمامها إلا استدعاء التنظيم الإخواني ليملأ الفراغ الشعبي الحادث لها.
■ الإقرار بأن دماء الشهداء لم يكن لها أي داعٍ ولم تعد لها قيمة .
■ الشروع فوراً في إعادة ترميم مبني مكتب الإرشاد .
■ رفع كل قرارات التحفظ علي أموال الإخوان .
■ الدعوة لمحاكمة عاجلة لكل من وقع استمارة تمرد .
■ استدعاء أسر الشهداء وسحب كل الأوسمة والأنواط التي حصلوا عليها بعدما تبين أنها منحت بسند من البطلان.
علي أنقاض دولة ٣٠ يونيو فلتبدأ إذن عملية المصالحة.
■ ■ ■
بعد ذلك فلنواجه الأسئلة المحورية وهي ما الذي سيترتب علي هذه المصالحة بفرض وجودها وهو فرض وهمي؟، هل هناك أي مكاسب ستعود بالنفع إلا علي تنظيم الإخوان ؟، ساعتها سنجد أنفسنا أمام الآتي :
- تنظيم قادر علي إعادة هيكلة ذاته علي الفور .
- تنظيم حجز لنفسه مكانا أبدياً في جسم الدولة المصرية بدليل أنها لم تعد قادرة علي الاستغناء عنه واستجابت بعد حين لدعوات المصالحة .
- أجيال إخوانية أكثر صلابة بعد أن تمكنت من تحويل المحنة إلي منحة .
- أجيال ناشئة أكثر قابلية للانجذاب نحو التنظيم إعجاباً بقدرته علي التماسك والالتفاف حول أزماته .
- انهيار أي مشروع لبناء دولة مدنية حديثة مادامت الدولة المصرية لاتملك رؤية حقيقيةً لالغاء المكون الديني من العمل السياسي.
- انهيار منظومة السلام الاجتماعي بعدما سيطر الإحباط علي الملايين الهادرة التي نزلت الميادين ثم اكتشفت أنها لم تكن إلا مجرد أرقام يتم التلاعب بها في أدوار سياسية متغيرة.
- انهيار الصورة الذهنية للحد الأدني من المستوي الأخلاقي الذي يجب أن تتسم به الدولة.
- إضافة أرصدة للتنظيم الإخواني من جميع جماعات الإسلام السياسي بعدما ثبت أنه الوحيد القادر علي   ممارسة ضغوطه علي الدولة وتحقيق مكاسب من جراء هذه الضغوط وإجبار الدولة علي الاستجابة له.
- إظهار عجز الدولة عن هزيمة التنظيم اجتماعياً لغياب المشروع الحقيقي القادر علي شغل مساحات كان التنظيم قد سبق أن تمكن من احتلالها .
- إضافة الصفة الأسطورية لهذا التنظيم الذي لايقهر .
- منح التنظيم أدوات إضافية لاستخدام الدين بشكل مكثف بعدما ثبت أنه انتصر في جولة نهائية للصراع بين الحق والباطل.
علي ذلك تكون المصالحة هي قرار لدولة  قررت أن تنتحر .
■ ■ ■
فلننطلق إذن نحو وهم المصالحة ولنصنع تماثيل لرموز الصمود من قيادات الإخوان، فلنسارع بإعادة تسمية الشوارع بأسماء من مات في رابعة والنهضة من أعضاء التنظيم تخليداً لذكراهم، فلنسارع بتغيير أسماء المدارس التي حملت أسماء الشهداء من الجيش والشرطة في ربوع المحروسة، ثم نتوجه إلي مصلحة الطب الشرعي لنتخلص من تقارير الصفة التشريحية التي اثبتت ارتقاء الشهداء برصاص الإخوان الغادر ونستبدلها بتقارير جديدة تعيد توثيق مقتلهم بسبب الانتحار الجماعي حزناً علي ما اقترفوه في حق الإخوان .
بعد ذلك يتجه المصريون جميعاً حاملين أكفانهم ليقفوا امام سفارتي قطر وتركيا طالبين العفو عما ارتكبوه من جرائم في حق الإخوان .
فلتستعد القوافل الشعبية للزحف نحو المطارات في انتظار الأبطال العائدين من تركيا وقطر وماليزيا، رافعين جميعاً شعار رابعة بلونه الأصفر مطالبين بأن يحل محل النسر المتواجد في قلب العلم المصري .
ليكن استقبال المرشد خارجاً من محبسه استقبالاً للمجاهدين المرابطين بعدها نعلن توقف مايسمي بدعوات تجديد الخطاب الديني، ليتولي المرشد بنفسه حملة جديدة لتجديد الخطاب الوطني الذي يضمن للتنظيم مكانته المستحقة علي أرض الوطن، ثم نعيد تعديل الدستور لشرعنة تواجد التنظيم في بنيان الوطن، ثم نقوم بحل البرلمان الذي لم يسمح للإخوان بالترشح، وعلي وزير التعليم فوراً إلغاء أي مشروع لمادة التربية الوطنية لتحل محلها مادة التربية الإخوانية.
■ ■ ■
الآن نتوقف بالتحليل محاولين رصد تأثيرات تلك المصالحة علي تصدع السلام المجتمعي والسياسي، لعلنا نطلق تحذيرات وطنية تتنبأ بِمَا يمكن ان تحدثه تلك الدعوات .. ربما نوجزها فيما يلي :
- نشأة أجيال ذات وعي مشوه لا يمكن أن يكون وسيلة لبناء مشروع وطني .
- حدوث تشوه حاد في هوية الدولة المصرية .
- وصم التاريخ المصري بالزيف والبهتان بعدما وثق جرائم التنظيم علي مدي مايقرب من ثمانية عقود.
- وجوب إعادة المحاكمة التاريخية للزعيم الراحل جمال عبدالناصر الذي يعد أيقونة كشف خيانة وتخابر هذا التنظيم،ليكتشف جيل بأكمله أنه وقع ضحية خداع هذا الزعيم.
- حدوث خلل جسيم في مفهوم الدولة الوطنية التي لا تؤمن بها الجماعة .
- حدوث خلل فادح في مفهوم صحيح الدين الذي لايعرف الجماعات أوالأحزاب .
- الحكم بالأمية السياسية علي جميع  الأحزاب والقوي التي توحدت مع شعبها وجيشها في مواجهة هذا التنظيم .
- منح التنظيم رصيداً استعلائياً جديداً يمنحه مكانة مافوق الدولة المصرية.
-اهتزاز ثقة المواطن في قيادته السياسية وبالتالي وقوعه أسيراً لحالة اغتراب داخل وطنه تنعكس سلباً علي درجة انتمائه.
- حدوث حالة تفكك أسري ضخمة لما سيتعرض له الآباء من نظرات اللوم والعتاب بسبب مازرعوه في ابنائهم من مفاهيم لجرائم وخيانة التنظيم ثم يكتشف هذا الجيل أن الدولة تتصالح مع هذا المتخابر بأريحية معلنة .
■ ■ ■
الآن نواصل الاستغراق في وهم المصالحة لنتساءل كيف يمكن أن تتم هذه المصالحة ؟، لن نجد أمامنا إلا الاحتمالات التالية:
- مبادرة من الجماعة لن تقبل بها الدولة إلا إذا كانت بحاجة ملحة لهذا التنظيم الإرهابي العصابي، وبالتالي تكون قد فقدت أخلاقياتها كدولة مؤسسات .
- خضوعاً لإملاءات خارجية تمس السيادة الوطنية ولا يمكن أن تقبلها إلا دولة هشة .
- استجابة لصفقات إقليمية تكون فيها الدولة قد قبلت باستخدام الأمن القومي للدولة وهويتها كمتغيرات قابلة للتفاوض والمساومة وليست كثوابت وطنية .
- مبادرة من الدولة لايمكن الإقبال عليها إلا إذا كانت هذه الدولة قد فقدت ظهيرها الشعبي ولم تعد تملك أدواتها القانونية .
- املاء  صريحاً من الجماعة بصيغة تهديدية لا يمكن أن تخضع لها الدولة إلا بعد أن تكون قد فقدت آليات المواجهة المادية، وفقدت القدرة علي التصدي لمسئولية  الأمن والحماية .
- مبادرة أخري من الدولة بصيغة الهزيمة بعد أن عجزت عن تقديم مشروع بديل قادر علي ملء الفراغ الاجتماعي والسياسي الذي خلفه التنظيم .
إذن في كل الأحوال يقول المنطق والواقع انه في اللحظة التي ستقبل فيها الدولة بأي صيغة للمصالحة تكون قد فقدت علي الفور صفتها كدولة.
■ ■ ■
ان ثورة ٣٠ يونيو هي ثورة إنقاذ الدولة المصرية، هي ثورة الدولة المصرية، هي بحق ثورة مساهمة مصرية، ليس بمقدورها أن تنقلب علي ذاتها أو علي الدولة التي قامت من أجل انقاذها .
أن دولة ٣٠ يونيو وثورتها الفتية لم يصدر عنها ابداً - تصريحاً أو تلميحاً - ما يمكن أن يفهم باعتباره مصالحة، ليس بمقدورها ان تفعل ذلك بل لا تستطيع ذلك .
أن كل من هيأ  له خياله المريض أن مثل تلك الدعوات يمكن أن تلقي قبولاً هو في الأصل لم يكن مؤمناً أو مدركاً لفلسفة هذه الثورة التي قامت ضد تنظيم عصابي اعتقد واهماً إنه قادر علي احتلال ذهنية وهوية الدولة المصرية وتقويضها لحساب مشروع إقليمي لا يمكن أن يقوم إلا علي جثة الدولة المصرية .
المصالحة خيانة للشعب المصري، خيانة للوطن المصري، خيانة لتاريخه وحاضره ومستقبله، هي بمثابة اتفاقية استسلام وتسليم الوطن إلي حتفه، هي عقد إذعان لخصخصة عموم الدولة المصرية ونقل صكوك ملكيتها وشرفها إلي تنظيم دولي لا يعرف معني لأرض أو عرض .

عدد المشاهدات 1868

الكلمات المتعلقة :