الرئيسية

نقطة فوق حرف ساخن

الوظيفة.. مواطن مصري


  عمرو الخياط [email protected]
8/10/2018 8:16:29 PM

 الإيــــــــــــــد »‬ البطالة نجسة» هكذا يقول المصريون، وبرغم ذلك هناك من يدفع الحكومة للتفكير في اتجاه منح الموظفين يوما ثالثا كإجازة ثابتة.
تخيل الحكومة مطالبة بتقنين البطالة والتعامل معها بشكل مؤسسي.
هذا لا يمكن أن يكون منطقيا إلا إذا كانت معدلات إنجاز الموظف المصري خارقة وبالتالي تتجاوز المساحة الزمنية لأسبوع العمل وهذا غير صحيح.
المؤسف أن ذلك لو حدث لن تجد تأثراً لمعدلات العمل لأنها أساسا متردية لأدني مستوياتها، بل سنجد وفرا في استهلاك الكهرباء والمياه والمواصلات العامة وانخفاضا في معدلات هلك المرافق العامة، وستجد تزايدا في الإقبال علي المطاعم والمقاهي والمراكز التجارية، لكن الموظف في هذه الحالة سيتقاضي راتبه باعتباره مواطنا مصريا وليس موظفا عموميا، هي حالة لم ولن يسبق لها مثيل.
••••••••••••••••••••••

علي جانبي الطريق كان العمال يصطفون لتحية عبدالناصر الذي كان يبادلهم التحية، الاصطفاف غالبا ما كان يتم في أوقات العمل أي أن الإنتاج يتوقف لساعات قبل وبعد وأثناء زيارة الزعيم للموقع العمالي، أحسب ساعات العمل المهدرة من أجل التحية ستصل حتما لكارثة قومية أدت لتوقف مصانع وشركات ولم يعد منها إلا أطلال أو عائلات عمالية لم ترث إلا شقاء تتسلمه الأجيال واحدا تلو الآخر.
الزعيم مازال حيّا في الوجدان ومآسي العمال مازالت حية والمصانع باتت أطلالا.
هذه خطورة أن تتحول فكرة العمل إلي مفهوم ليس له علاقة بفكرة الشقاء والكد والمثابرة، أعلم أن المقال سيصدم الكثيرين الذين سينطلقون نحوه بفلسفات حول الرأسمالية والاشتراكية وما شابه من نظريات مازالت تدور حول نفسها من شخصيات ابعد ما تكون عن الطبقة العاملة، لكن ليس هذا المقصد انما المقصود هو الحديث عن واقع يبدو متكامل المشهد باستعراض سياسة تم تطبيقها بالفعل وثبت فشلها حتي تحولت العلاقة بين الدولة والعامل كما لو كان يستجدي حقوقه والدولة تري أن معدل إنتاجه غير موجود أساسا.
وبالتالي لم يعد هناك مجال للحديث عن حالة رعاية شاملة من الدولة للعامل كنوع من الشفقة، بل يجب ان تتحول إلي تطبيق لبند مهم في العقد الاجتماعي، حقوق يقابلها واجبات، فإذا تراجع معدل أداء الواجب حتما تتراجع معدلات الالتزام بالحقوق.
••••••••••••••••••••••

 ثم اذهب إلي الموظف الإداري وهو غير مطالب بإنتاج مادي إنما مطالب بحسن معاملة المواطن وتسهيل إجراءاته وتيسير سير حركة الحياة والعمل في جميع مؤسسات الدولة، تجده في حالة استياء مستمرة وشكوي لا تنقطع فإذا سألته عن سبب سوء معاملته وسوء استقباله للمواطن ستجد إجابة عبقرية »‬علي اد فلوسهم »‬، حسنا فعل عندما يعترف بأن ما يأخده من الدولة متساو مع ما يقدم من عمل، إذن هو يعترف بعلاقة عادلة، لماذا إذن يشتكي؟!، لماذا يريد تعيين ابنه في نفس وظيفته؟!.
هي أسئلة تحتاج لوقفة ولإجابات فورية ولمواجهة مع النفس.
‎الإجابة الصادمة أن الموظف ارتضي ورضي وتراضي أن يتحول إلي مواطن يتخذ من صفة الموظف العام عنوانا له، يقدم أداء هو يعترف أنه مناسب لما يتلقاه من أجر، ليس ذلك فحسب بل انه يجاهر بامتلاكه أدوات التحكم في علاقته بالدولة عندما يتحكم في معدلات الأداء بقدر راتبه، لكن هل زيادة الرواتب غير المدروسة التي شهدها الجهاز الإداري أعقاب يناير ٢٠١١ أدت لتحسن أداء الوظيفة العامة؟.
‎الوظيفة مواطن مصري يطالب الآن ويتمني يوما ثالثا لإجازة رسمية مدفوعة الأجر، هل سيقابل ذلك انخفاض لالتزامات الدولة تجاهه؟، أم انه سيعطل العمل طوال الأسبوع ليدفع الدولة إلي استدعائه في أحد أيام الاجازة بأجر مضاعف؟.
‎نحن أمام علاقة وظيفية بين الدولة والعاملين بالجهاز الإداري ليس لها مثيل، أكرر ليس لها مثيل، إما انك عاطل أو ممتنع عن العمل، أو إنك موظف فاعل له دور محوري وحيوي في دولاب عمل الدولة ويعبر عن تراكم خبرات ينقلها للأجيال القادمة وليس ناقلا لحالة بطالة مقنعة تتوارثها الأجيال وتتخذها ثقافة تفرض نفسها علي المجتمع.
••••••••••••••••••••••

 ‎ليس هنا تجريح مقصود بل نية ومحاولة لتوصيف حالة لابد أن تخرج منها الدولة المصرية وتمنع تسربها لوجدان وعقول أجيال ناشئة التزاما بعقد اجتماعي يعرف قيمة العمل المتقن وليس التظاهر بحالة من العمل الوهمية التي لا تؤدي إلي أي إنتاج.
‎هل يصح أن يكون الجهاز الإداري للدولة مؤسسا لثقافة وشعار »‬البطالة كنز لا يفني»؟ هل هذا جائز في دولة تريد أن تنهض وتتقدم وتتطور؟!، خطورة هذا ليس فقط أن يتوقف الإنتاج والأداء، بل الأخطر أن تتحول أي دعوة للعمل بأنها رغبة من الدولة في زيادة أعباء المواطن بتحميل كاهله ما لا يطيق عندما تطالبه فقط بأداء المعلوم من وظيفته بالضرورة، ثم يتحول هذا الشعور إلي شعور عدائي غير مبرر نحو الأشخاص المحبين لإتقان عملهم ليتم توصيفهم بحالة من الاستعلاء أو مداهنة رؤساء العمل ونفاقهم لا لشئ سوي أن أداءهم المميز وسط حالة »‬اللااداء واللاعمل» الممنهجة سيفسر أن المقصود منه هو كشف أقرانهم ممن اتخذوا من البطالة اسلوبا للحياة.

 ‎إنهـا معركة الحق والحقيقة، العمل يعني الكد والعرق والشقاء والكفاح، بخلاف ذلك فهي رحلات يومية إلي أماكن العمل حيث وجبات الإفطار الشهية وجلسات النميمة والتنظير ثم جولات الشراء اليومي من الباعة الجائلين في طريق الذهاب والاياب. الآن نحن أمام قرار للمواطن والدولة المصرية، إما عملا حقيقيا وإما الكف عن التظاهر بأداء طقوس ومظاهر العمل.










عدد المشاهدات 1158

الكلمات المتعلقة :