اخبار الكتب

«كلمة صريحة» في حرب ١٩٤٨

في مئوية جمال عبدالناصر


  
1/12/2018 10:24:06 PM

لم يكن الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قائدا عسكريا، أو زعيما سياسيا وقوميا فقط، وإنما كان مفكرا ومعلما وقارئا لفنون الأدب والموسيقي عاشقا للعلم والفكر، الذي قاد فيه مسيرة مازالت تتحدث عن نفسها في مصر والشعوب العربية، رغم مرور مائة عام علي مولده.
 كان يقرأ الأدب والكتب السياسية منذ كان طالبا، فمن يبحث في تاريخ حياته يكتشف أنه كان يقرأ لكبار المفكرين السياسيين وسير حياة القادة العالميين أمثال كرومر وتشرشل، كان معجباً بأشعار أحمد شوقي وحافظ إبراهيم، وقرأ عن سيرة النبي محمد وعن أبطال الإسلام وكذلك عن مصطفي كامل، كما قرأ مسرحيات وروايات توفيق الحكيم خصوصاً رواية عودة الروح التي تتحدث عن ضرورة ظهور زعيم للمصريين يستطيع توحيد صفوفهم ودفعهم نحو النضال في سبيل الحرية والبعث الوطني. لم يكن عاشقا للقراءة وحدها، وإنما للفن منذ كان طالبا في الدرسة الثانوية ولعب دور »يوليوس قيصر»‬ بطل تحرير الجماهير في مسرحية »‬شكسبير» في حضور وزير المعارف آنذاك.
 
حبه للأدب والفن دفعه لكتابة مذكراته العسكرية وهو الرائد في حرب 1948، بأسلوب أدبي سلس يكشف عن خيال سياسي وعسكري وفكر وأحلام قائد عاش لوطنه ولم تشغله أطماع مادية بقدر ما كان يريد لوطنه مجدا يليق به.
هذه المذكرات نشرت في مجلة اخر ساعة التي عثرت علي الجزء الثاني منها بالصدفة، في كتاب صدر عن إدارة الشئون العامة للقوات المسلحة عام 1955 تحت عنوان »‬ كلمة صريحة »، هي الجزء الثاني من سلسلة بعنوان »‬موعد في الأرض المقدسة»‬.
في بداية الكتاب يقول الرئيس الراحل جمال عبد الناصر: »‬لست اريد ان ألقي كلاما حماسيا ولست اريد ان ارفع معنويات الجيش بعد حوادث غزة الأخيرة.. اريد ان أقول الحقيقة».
المدهش في هذا الكتاب أنه في الفصل الأول ربط بين ما حدث في حرب فلسطين وبين فيلم سينمائي شاهده في السينما كناقد أدبي قائلا» في إحدي دور السينما في القاهرة- منذ بضعة أسابيع - شاهدت قصة سينمائية مثيرة، قصة بوليسية من ذلك النوع الذي تتفنن فيه هوليوود ويتباري مخرجوها في ملئه بكل ما يشد أعصاب الناس ويكاد يحبس أنفاسهم من حبكة المفاجأة وقوة اصطناع المؤثرات. وكان للقصة - ككل قصة - بطلان أولهما استولي الشيطان علي قلبه وعقله فزرعهما بالشر والدهاء، وثانيتهما رجل طيب يؤمن بالخير والحب بين الناس. وتطورت ظروف القصة. وأن الرجل- الذي ملكه الشيطان- يرتكب جريمة قتل، وأكثر من ذلك يرتب مسرح الجريمة بحيث يلقي التهمة كلها علي الرجل الطيب. وتمضي حوادث القصة إلي ذروة الإثارة فإذا بالشبهات تحيط من كل جانب بالرجل الطيب، وإذا الريب يطبق عليه من اليمين ومن الشمال، وإذا نظرات الشك تلاحقه، ثم إذا بالتهم تمسك بتلابيبه وتضعه في القفص الرهيب. الرجل الطيب يكاد يجن، يكاد يفقد أعصابه.. ينكر ويلح في إنكاره، فلا يجد من يسمعه أو يصدقه، حتي أقرب الناس إليه. يحاول أن يدفع عن نفسه شراك العنكبوت التي وقع في أحابيلها فإذا الشواهد الملفقة تشده بأغلال جديدة يتخبط الرجل الطيب ويضيع وينهار ! يملكه اليأس علي نفسه، وتختلط معالم الحق في وجدانه المهزوز بمعالم الباطل الذي دس عليه، حتي هو أخيرا من ضغط الالحاح وشدة الحصار حوله، يكاد يعترف علي نفسه بجريمة لم يرتكبها! ولم يفكر يوما في ارتكابها!
يواصل الرئيس عبد الناصر كتابة مذكراته كأديب محترف تحت عنوان »‬ المجرم الحقيقي» معلقا علي أحداث الفيلم السينمائي »‬لقد ذكرتني هذه القصة بجيش مصر في فلسطين، لقد كانت في فلسطين هزيمة كما كان في القصة السينمائية جريمة ولكن من الذي هزم في فلسطين ؟ في رأيي أن جيش مصر لم يرتكب جريمة في فلسطين ،وإنما ارتكبها غيره وزيف الأدلة عليه ودبر الشبهات حتي تلاحقه ،وتحمله الوزر الذي هو منه براء. وكما حدث في القصة حدث في الجيش، كاد الجيش الطيب نفسه يصدق مهزلة هزيمته وكاد أقرب الناس إليه شعب مصر وغيره من الشعوب الصديقة ينطلي عليه الزور ويصدقونه، وفي الفيلم تجلي الأمر بعد ساعة أو أكثر رافعا رأسه من القفص ودخل المجرم الداهية لكي يلقي حسابه. ولكن في المأساة التي عشناهافي فلسطين مضي الكابوس الرهيب ست سنوات طويلة مظلمة. وحينما وقف الزعيم عبد الناصر في الكلية الحربية يدافع عن الجيش المصري في فلسطين من واقع عاشه ولمسه بنفسه كان يريد أن يمزق نسيج العنكبوت الذي وقع الجيش المصري فريسة له، كما جاء في نص مذكراته »‬كنت أريد ببساطة أن أقول: أن هذا الجيش لم يرتكب هزيمة فلسطين، وأن الهزيمة لفقت عليه، ودبرت مظاهرها من حوله افتراء وبهتانا، لقد كان هناك مجرم أخر يجب أن يحاسب علي الهزيمة، أما الجيش فيجب أن يخرج من قفص الاتهام.
يستكمل الزعيم عبد الناصر مذكراته ساردا تفاصيل قصة حرب فلسطين 48، المعركة التي خاضها كقائد أركان لأحدي كتائب الجيش من واقع المشاركة الفعلية مع زملائه من الضباط المصريين الذين لم يخوضوا حربا بالمعني العسكري وإنما كانت حربا سياسية كما وصفها في سطور مذكراته، التي كشفت فقد الصلة بين القائد وجنوده علي جبهة القتال، مما أوقع الرئيس عبد الناصر في الشك بأن هناك أغراضا خفية تدار خلف الحرب لا أحد يعرفها وهذا ما عبر عنه بأسلوب أدبي عميق بالغ التأثير لحالة حرب ولا حرب حقيقية استشهد فيها خيرة شباب العسكريين المصريين آنذاك، قتلوا في حرب ظالمة أدارتها في الخفاء أياد سوداء.
 من التعبيرات الأدبية التي جاءت في سطور المذكرات حينما وقع عبد الناصر في الحيرة والشك من الأوامر المضللة من القائد العام للجيش لقائد الكتيبة التي كان مكلفا بقيادتها» لم أستطع أن أمنع عقلي أن يناقشها، وإن كنت كبحت جماح لساني عن أن ينطق بكلمة واحدة مما يدور في رأسي، وكان الذي في رأسي سهلا منطقيا، هذه الأهداف التي ترسم خطط للاستيلاء عليها، كانت بأوامر هدنة خالية تماما من قوات العدو فلماذا سكتت قيادتنا علي احتلالها »‬ بهذه الأسئلة تكشف طريقة تفكير ووعي قائد مثقف لإحدي كتائب الحرب في فلسطين وإحدي معارك التحرير التي باءت بالفشل ليس لعدم قدرة الجيش علي الانتصار ولكن لخيبة الأمل في القائد الأعلي الذي كان يعمل في اتجاه ليس في مصلحة الجيش المصري تماما مثل ما جاء في قصة الفيلم السينمائي عن الرجل الطيب والرجل الداهية الشرير الذي أوقع الجيش في هزيمة لمعركة لم يخضها في الأصل رغم استشهاد رجال عظماء في تلك المعركة.
 إن قراءة مثل هذه المذكرات لقائد من قوات الجيش الذي صار فيما بعد رئيسا لمصر لها أهمية قصوي في معرفة جزء هام من التاريخ، وكيف كان يفكر القادة المخلصون في اللحظات الحاسمة، وكيف واجهوا ضغوطا خارجية مجهولة المصدر في اللحظات الحاسمة، إن قراءة التاريخ هي أقوي معلم في حياة الشعوب التي تريد أن يكون لها كيان مستقل مشرق، إنها قصة جيش وليست قصة مغامرة »‬ كما وصف الرئيس الراحل جمال عبد الناصر معركة حرب فلسطين 48 في مذكراته أنها جزء من تاريخ مصر المعاصر.



عدد المشاهدات 3284

الكلمات المتعلقة :