اخبار الكتب

المحرر الأدبي..والكاتب الشبح

حكاية الساكن خلف الأوراق


  
8/3/2018 9:51:55 PM

المحرر الأدبي أشبه بالبستاني الذي يقوم بتهذيب الحديقة من كل الشوائب والمتعلقات والزوائد التي يمكن أن تفسد جمالها  أوتنسيقها، هو الذي يجعل النص الأدبي مقبولا لدي القارئ دون المساس بقيمته الأدبية، فإذا كان المترجم يوصف بأنّه كمن يتبرّع بدمه للآخر، ويظهر اسمه علي العمل تالياً للمؤلف الأصلي، فإن المحرر الأدبي هو الذي يعطي الرونق والجمال لروح  النص ويُحجب اسمه ويبقي مجهولاً للقارئ؟

إن عمل المحرّر الأدبي لاحق لعمل الكاتب، ومكمّل له، وتستعين به بعض دور النشر في العالم إلا أن دوره يكاد يكون منعدما في الثقافة العربية لأسباب كثيرة منها: عدم تقبل المؤلف بأن تمتد يد غير يده علي ما كتبه باعتباره كلاما مقدسا، وقد يستبدل دور المحرر الأدبي بالصديق المخلص للمؤلف الذي يقرأ نصه ويبدي ملاحظاته، ولكنه ليس بالضرورة  يمتلك رؤية صائبة.
ربما قد لا يعرف الكثيرون أن أليف شفق الكاتبة التركية الأكثر مبيعا، وصاحبة »قواعد العشق الأربعون»‬، قدمت في نهاية روايتها الاكثر مبيعا في العالم الشّكر ضمن قائمة طويلة من الأسماء، إلي محرّرها الأدبيّ، ولا تكتفي بالشكر بل إنها كشفت عن طبيعة الدور الخفي الذي لعبه المحرر الأدبي في نصها، ليخرج بصورته النهائية التي ارتضتها هي أولا، ثم ناشرها وقارئها.
هل كل ما يكتبه الروائي يصلح للنشر؟
إلي اي حد يمكن أن يتدخل المحرر الأدبي في النص الإبداعي؟
إن مهنة »‬المحرر الأدبي» ليست وظيفة مستحدثة في العالم أو مصر، فالروائي العالمي نجيب محفوظ  طلب من طه حسين مراجعة روايته »‬أولاد حارتنا»، وكان الأديب العالمي جابرييل جارثيا ماركيز قد قال في حوار له بإحدي الجرائد إنه قام بحذف ما يقارب من مائة صفحة من روايته »‬مائة عام من العزلة» استجابة لدار النشر، وكان جونترجراس يصطحب معه المحرر الأدبي الخاص به أينما ذهب، وهناك من الأخطاء الجسيمة التي وقعت لإغفال دور المحرر الأدبي، فمثلا رواية جوستاف فلوبير »‬مدام بوفاري» تغير فيها لون العينين من الأزرق إلي الأسود القاتم  إلي البني، ونشرت بهذا الخطأ الذي ظل مترددا ومتتابعا إلي يومنا هذا. وهناك العديد من الاعترافات من كبار المبدعين داخل مصر وخارجها ممن يعترفون بقيمة المحرر الأدبي الذي تختلط وظيفته في بعض دور النشر بوظيفة المصحح أو المدقق اللغوي،  ولا يدركون الفرق الكبير بينهم.
وظيفة المحرر
تبدأ وظيفة المحرِّر الأدبي بعد انتهاء العملية الإبداعية، ليضع قلمه وملاحظاته وتعديلاته واقتراحاته علي مسودة الكاتب. علي أنه في عديد من دور النشر، التي تتعامل مع أسماء إبداعية مكرَّسة، والتي تتعاطي مع النشر كصناعة »‬كُبري» تتألّف من مراحل إنتاجية، يقوم المحرِّر الأدبي بوظيفته أثناء انشغال الكاتب بعمله، أو بالتزامن معه، فيرافقه أثناء عملية الكتابة، يقرأ الفصول أولاً بأول، مقدِّماً مداخلاته واعتراضاته، ضمن مراجعة نقديّة »‬تشريحية» تسعي في المبتدأ علي أن يظلّ الكاتب علي »‬الطريق» أو المضمار التعبيري الذي يستلزم انسجاماً وتكاملاً وتواصلاً واستمرارية في الرؤي والأفكار والتصوّرات. وفي بعض الحالات، قد يرافق المحرِّرُ المؤلَّفَ منذ النواة الأولي للعمل، أي الفكرة وتجلّياتها، في تعاون قلّما نجده في صناعة النشر الحالية، ذلك أنه يستدعي التزاماً مطلقاً من المحرِّر للعمل الإبداعي، كما يتطلّب انصياعاً شبه تام من المؤلِّف لآراء محرِّره، الذي يحدث مع دور النشر التي تتسابق في إصدار أعمال أدبية ضخمة كان من الممكن اختصارها إلي النصف وربما أكثر ، توفيرا لجهد الناشر وتخفيض التكلفة وقراءة أيسر ،لكن مازالت هناك بعض دور النشر  التي تري في الروايات الضخمة  مثالا للعمل الذي يستحق النشر والبطة السمينة التي يمكن أن تجلب الجوائز الأدبية .
إن افتقاد وجود المحرر الأدبي يؤدي إلي افتقاد الكثير من جمال ورونق العمل الإبداعي، نتيجة عدم الاقتناع من جانب الكتاب بدور المحررالأدبي ومن ناحية أخري عدم وجود هذه الوظيفة من الأصل في دور النشر والخلط بينها وبين دور المصحح اللغوي. المحرر الأدبي هو الجراح الماهرالذي يعد ويهيئ النص للنشر في أحسن ما يكون ، لكن المشكلة ببساطة تتمثل في ندرة وجوده في عالمنا العربي، لغياب »‬ثقافة» هذا المحرر المحترف الذي يتقبله الكاتب ولا يعتد به الناشر ويبقي دوره مع من يؤمن بحيوية وجوده للنص الأدبي دون المساس بقدر الكاتب في الإبداع .إن وجود هذا المحرر بهذه الكيفية يساهم كثيرا في إبقاء النص الجيد علي قيد الوجود بعيدا عن فوضي النشر التي يشهدها الواقع العربي والمصري مما يؤدي إلي اختلاط الجيد بالردئ في غياب حركة النقد التي تماثل حركة الكتابة والنشر.
الكاتب الشبح
الكاتب الشبح هو بالتأكيد غير المحرر الأدبي، وظيفته تختلف عن مهمة المحرر الأدبي وأن تداخل المعني لدي بعض الناشرين والمؤلفين واتساع دور المحرر الأدبي إلي حد تغيير نصوص في النص أو طلب إعادة بناء الرواية من المؤلف مما ضيق الأخير من تدخل في النص إلي حد كتابة نص جديد ببناء آخر يحمل نفس الفكرة وهذا يجعلنا نفرق بين المحرر الأدبي والكاتب الشبح الذي يتمثل دوره في كتابة نص كامل بناء علي معلومات عن المؤلف الأصلي، أو أن يجلس معه صاحب العمل ويروي له الحكاية والكاتب الشبح يقوم بالتأليف  والذي يشمل الكتب والمقالات والقصص والتقارير وغير ذلك من النصوص بحيث تسجّل رسمياً لصالح شخص آخر. غالباً ما يستأجر المشاهير والأشخاص التنفيذيون والقادة السياسيون كتاباً خفيين لوضع المسودات أو تحرير سيرهم الذاتية ومقالات المجلات وغير ذلك من المواد المكتوبة. كما يستخدم الكتاب الخفيين في عالم الموسيقي لكتابة نصوص الأغاني ومقدمات الأفلام. قد تختلف درجة مشاركة الكاتب الخفي في إنتاج عمل مكتمل. في حين يستعان بكاتب خفي لتحرير المسودات، بينما يستعان بهم في أحيان أخري لإنجاز معظم العمل بناءً علي ملخص أو خطوط عريضة يوفرها الكاتب المعتمد. وقد يطلب من الكاتب الخفي القيام بعمليات بحث كبري، كما هو الحال عندما يوظف الكاتب الخفي لكتابة السيرة الذاتية لشخصية معروفة. كما يوظّف الكاتب الخفي لكتابة الروايات والقصص الخيالية بنفس أسلوب مؤلف علي قيد الحياة كوسيلة لزيادة عدد الكتب التي يمكن نشرها باسم مؤلف واسع الانتشار.. وتظل وظيفة المحرر الأدبي رغم أهميتها ودورها الأساسي في النشر دورا خافتا لعدم تقبل المؤلف عندنا إلي يد أخري تمتد إلي نصه بالتغيير أو الإضافة .




عدد المشاهدات 205

الكلمات المتعلقة :