الأخيرة

فنجان قهوة

مــن نافــــــــذة حــــــــــــــــــــليم!


يسري الفخرانى

  يسري الفخراني
11/3/2017 8:19:08 PM

أول مرة دخلت بيت الأستاذ عبدالحليم حافظ في الزمالك كان بعد رحيله بثلاثين عاماً في الخطوة الأولي تذكرت كل ما أملك من أيام صنعها لي هذا المطرب ببساطة تصل إلي حد العبقرية.
كنا سعداء، أيام كانت الحياة حياة، بسيطة، المسافات قصيرة إلي الناس وإلي أنفسنا وإلي أحلامنا، كنت صغيرا أتعلق بيد أبي كي أطول السماء، لم نكن وحدنا نضحك.. كانت الوشوش حولنا كلها تضحك، تضحك من قلبها، تضحك لأنها سعيدة، تضحك لأن مزاجها يلتقط أشياء جميلة كثيرة
في بيت عبدالحليم حافظ، نظرت من نفس النافذة التي كان يطل منها علي النيل لكي يغني للحب وللحياة ولنا ولمصر، النيل ما زال يجري، لكن مئات البيوت الرمادية تملأ المشهد خوفا وحزنا، الأشجار فقدت لونها الأخضر، كان البيت من الداخل كما هو مع تجديد حرصت عليه العائلة بعد غياب صاحبه، هذا المقعد الأثير للأستاذ عبدالوهاب، وهو يجري بروفة في بيت الفتي الأسمر، هذا البيانو الذي لم تضبط أوتاره منذ زمن الرحيل، أسطوانات لفرانك سيناترا، دولاب ممتلئ ببذلات حليم الشهيرة
لم أعرف أن حليم يغني لكي نحب علي قصصه البسيطة المكررة التي غناها بإحساس عاشق مهزوم، إلا عندما مات حليم، بعدها بسنوات عرفت أن أغنية مثل أعز الناس يمكن أن تبكيني إذا قرر صديق أن يهاجر، أو قرر حبيب أن يهجر
ماذا حدث لمجتمعنا؟ هل غياب عبدالحليم حافظ أعاد أمية الكلمة والحب والمعني والمشاعر والأماني؟
سرنا في شوارع نظيفة، لأننا ببساطة كنا نحترم الشوارع كما نحترم بيوتنا، تعلمنا أن نقف احتراما لإشارة عبور الطريق من رصيف إلي رصيف، وفضيلة أن نرفع ورقة ملقاة من الأرض بفخر
لقد تدهورنا عمدا مع سبق الإصرار، فتح الباب لكي ندفن تحضرنا تحت ركام كل الثقافات والعادات التي هفت علينا من الانفتاح وشغل الكفيل، تجعل الغالي رخيصا والرخيص غاليا، تهدم بيوت اللبن في الغيطان الخضراء، وترشق بيوت الأسمنت الرمادية، تسرق المشاعر، وتعوضنا بمروحة وبطانية، تخفي أجمل ما فينا في بطون شرهة قررت أن تبيع كل شيء جميل في الوطن بأبخس سعر، حتي إنها باعت عبدالحليم حافظ ذاته بأغانيه بتاريخه بأوجاعه، لكي يبقي لنا كل شيء كان جميلا مجرد ذكري، ويبقي الشعب غير قادر علي أن يقتنع أن حياته ليست مشوارا إلي الموت، إنما هي طريق إلي الحياة. »ابقي افتكرني.. لو مريت في طريق.. مشينا مرة فيه.. أو عديت في مكان كان لينا ذكري فيه»‬. أيام.

عدد المشاهدات 350

الكلمات المتعلقة :