تحقيقات

مجلة «ساينس»: الأخبار الكاذبة أسرع وأكثر انتشاراً من الصادقة علي مواقع التواصل الاجتماعي

«السوشيال ميديا» سلاح العصر لنشر الأكاذيب والشائعات


   كتبت ريهاب عبدالوهاب:
3/8/2019 7:57:01 PM


»الأكاذيب  تطير بسرعة البرق.. أما الحقائق فتأتي بعدها وهي تعرج»‬.. هذه العبارة قالها الأديب والسياسي الانجليزي جوناثان سويفت، الذي عاش بين القرنين الـ 17 والـ 18، هي أصدق وصف لما يعيشه العالم اليوم من هيمنة الأكاذيب والشائعات، بعد أن أصبح أكثر من 60% من سكانه يستقون معلوماتهم وأخبارهم من مصادر غير مؤكدة وفي مقدمتها مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك وفقا لما قاله مركز »‬بيو للأبحاث».
يؤكد هذه المقولة دراسة نشرتها مجلة »‬ساينس» الأمريكية (Science) والتي قامت بتحليل حوالي 126 ألف خبر تم تداولهم وإعادة نشرهم علي موقع »‬تويتر» أكثر من 4.5 مليون مرة، لتجد ببساطة تفوق الأكاذيب والشائعات باستمرار علي الحقائق علي »‬تويتر» وغيره من مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك لأن خدمات »‬مشاركة» (share) و»‬إعادة ارسال» (re tweet) تلك الأخبار لآخرين تفوق إعادة نشر الأخبار الحقيقية بنسبة 70%.
ووجدت الدراسة أن الأخبار الكاذبة والشائعات تنتشر بسرعة أكبر من القصص الحقيقية، وتصل لعدد أكبر من الناس، وتخترق شبكات التواصل الاجتماعي بشكل أعمق.. فالخبر الزائف علي سبيل المثال يصل إلي 1500 شخص بمعدل 6 أضعاف سرعة وصول الخبر الحقيقي سواء كان الخبر يتعلق بأعمال تجارية، أو بالإرهاب والحروب، اوالعلوم والتكنولوجيا، أو حتي الترفيه، وإن كانت الأخبار السياسية هي الأسرع انتشاراً والأكثر تداولاً.  
وللتأكيد علي ذلك نأخذ مثالين من الانتخابات الرئاسية الأمريكية الأخيرة.. ففي أغسطس 2015، انتشر خبر علي وسائل التواصل الاجتماعي بأن دونالد ترامب سمح لطفل مريض باستخدام طائرته للحصول علي الرعاية الطبية العاجلة.. ورغم تأكيد صحة الخبر.. إلا أن 1300 شخص فقط قاموا بمشاركته او اعادة نشره.. في المقابل  انتشرت في فبراير 2016، شائعة بأن ابن عمة ترامب قد توفي وأنه عارض محاولة ترشيح الرئيس في نعيه ورغم ثبوت كذب الخبر.. إلا أن ما يقرب من 38000 من مستخدمي »‬تويتر» أعادوا نشر الخبر. ووفقا لباحثي الدراسة فإن أحد أدوات هذا الانتشار السريع والكبير هو شبكات النشطاء المعنيين بنشر الأخبار الكاذبة علي مواقع التواصل الاجتماعي والذين يقومون بعمل »‬نمط تسلسلي» لإعادة نشر الخبر الكاذب بسرعة ولأكبر قدر ممكن من الناس، فمثلاً عند نشر شخصية لها متابعون كثر خبراً علي حسابها فإن نسبة من يرون هذا الخبر ويعيدون نشره قد لا تتعدي الـ10%، أما نشطاء المواقع المعنيين بنشر الشائعات فيقوم كل واحد بنشر الخبر الكاذب وإرساله لكل متابعيه  ليتسلمه آخر ويكرر العملية في سلسلة تنتقل من متابع إلي آخر حتي تتسع قاعدة انتشار الخبر بشكل كبير.
ووجدت الدراسة أن الأخبار الصحيحة لا تملك نفس القدرة علي الانتشار التسلسلي لأكثر من 10 دقائق.. فيما يمكن للأخبار المزيفة أن تجمع 19 حلقة ربط تسلسلي من إعادة النشر، وأن تفعل ذلك 10 مرات أسرع من الأخبار الدقيقة.
وقد قام موقع BuzzFeed News مؤخرا بفحص أكبر القصص الإخبارية المزيفة التي اكتسبت زخما علي شبكات التواصل الاجتماعي عام 2018.. وتوصل الموقع إلي أن أفضل 50 قصة إخبارية مزيفة علي »‬فيس بوك» أثارت حوالي 22 مليون مشاركة وتفاعل، وتعليق، خلال نفس العام.
سلاح فعال
الإحصائيات تؤكد أن هناك 2.32 مليار مستخدم لـ »‬فيس بوك» شهريا، و5 حسابات جديدة تفتح كل ثانية، فيما تتم مشاركة 4.75 مليار من المحتوي يوميا.. كذلك هناك 321 مليون مستخدم لتويتر شهريا، ويتم تداول أكثر من 500 مليون تغريدة يومياً بمعدل 6 آلاف تغريدة في الثانية.. بهذه الأرقام تمثل وسائل التواصل الاجتماعي أداة خطيرة لتوصيل المعلومة ونشرها وهو ما يجعل منها أحد أهم الأسلحة الحديثة التي تستخدم لأغراض مختلفة كتنفيذ أجندات بعينها أو نشر الفوضي وتفجير المجتمعات من الداخل.
وقد وجدت »‬مؤسسة نايت» الأمريكية البحثية، بعد تحليل أكثر من 10 ملايين تغريدة من 700 ألف حساب علي تويتر، أنها ارتبطت بأكثر من 600 وسيلة إخبارية مزيفة، ووجدوا أنه في الفترة التي سبقت الانتخابات الرئاسية في الولايات المتحدة في 2016، تم ربط أكثر من 6.6 مليون تغريدة بأخبار وهمية ونشطاء مختصين بنشر أخبار كاذبة، وهي مشكلة استمرت حتي بعد الانتخابات.. حيث تم رصد 4 ملايين تغريدة لناشري الأخبار المزيفة والمؤامرة من منتصف مارس حتي منتصف أبريل 2017.. وحتي الآن ما زالت أكثر من 80٪ من الحسابات التي نشرت معلومات مضللة بشكل متكرر خلال الحملة الانتخابية لعام 2016 نشطة، ومستمرة في نشر أكثر من مليون تغريدة في اليوم، وفي العام الماضي، كشف باحثون بريطانيون عن شبكات ضخمة تعمل عبر »‬تويتر» مع مجموعات تصل إلي 500 ألف حساب تعمل بشكل منسق لإتمام عمليات المشاركة و»‬تشيير البوستات».
أسباب الانتشار
وأرجع الخبراء أسباب انتشار الأخبار الكاذبة بشكل أكبر وأسرع من الأخبار الحقيقية إلي سببين رئيسيين.. الأول أن الأخبار الكاذبة عادة ما تكون غير تقليدية وشديدة الحداثة بالمقارنة بالأخبار الحقيقية، ومرتبطة دائما بحدث آن يحظي باهتمام جماهيري.. وهذا ما يؤكده »‬برندان نيهان» أستاذ الحوكمة في كلية »‬دارتموث» الأمريكية الذي أكد أن المعلومات الزائفة علي الإنترنت غالبا ما تكون حديثة جدا وسلبية، وهاتان الصفتان عموما تجذبان انتباهنا كبشر، وتجعلنا نريد مشاركة هذه المعلومات مع الآخرين.. أما السبب الثاني فيتمثل في أن الأخبار الكاذبة تعمل علي استثارة العاطفة وعادة ما يستخدم فيها مصطلحات مرتبطة بالمفاجأة أو إثارة الاشمئزاز.. كما تري »‬ريبيكا ترومبل»  أستاذة العلوم السياسية في جامعة لايدن في هولندا.. بينما أكد الباحث »‬ديفيد لايزر» من جامعة نورث كارولينا أن الناس تحب أن تقوم بنشر ومشاركة المعلومات التي يبدو أنها تؤكد معتقداتهم.. وتتفق مع آرائهم وتوجهاتهم. والخلاصة التي اتفق عليها الجميع هي قدرة وسائل التواصل الاجتماعي علي أن تكون منصة لنشر الأخبار الكاذبة  بشكل كبير وسريع ومنهجي علي حساب الحقيقة، ولا أحد - لا خبراء ولا سياسيون ولا شركات تقنية - لديها طريقة لإصلاح هذا الاتجاه، وهو ما يشكل خطورة لأي نظام حكومي يرتكز علي نشر الحقائق.. لكن يبقي الدور الحقيقي للمستخدمين الذين يملكون الأدوات اللازمة لاستيضاح المعلومات الخاطئة، باستخدام نفس الأجهزة التي ينشرونها ويعيدون مشاركة مثل هذا المحتوي منها، وكل ما يتطلبه الأمر هو لحظة من التفكير، ودقائق من البحث عبر الإنترنت لاستبيان حقيقة الأخبار قبل مشاركتها.

عدد المشاهدات 70

الكلمات المتعلقة :