حوادث وقضايا

ليلة رحل فيها القمر


   كتب محمد عبد الوهاب:
10/10/2018 12:11:13 PM

فتاة من ذهب .. بل أغلي من الذهب .. بعزيمة الرجال تحدت الصعاب . وأبت ان تكون مجرد ضيف عابر علي الدنيا تأتي وتذهب وسط الزحام بلا بصمة .. فعلت ما فعلته الأساطير قبل رحيلها بدقائق رغم بساطتها .. حياتها كانت مثل شجرة الياسمين تنحني أمام نسمات النسيم لكنها لا تنكسر أمام العاصفة .. قوية التحمل تبتسم عندما ترغب في الصراخ .. وتغني عندما يهاجمها البكاء في لحظات السعادة .. تضحك حين يتملكها الخوف .. عبقريتها تكمن في قلبها الكبير .. الموت كان يحاصرها في صغرها يطاردها مرات في اليوم الواحد.. لكنها كانت تقول للقطة ٧ أرواح .. وأنا مثل سبع قطط .. لكنها ماتت .. ورحلت عن الدنيا أهم ايام حياتها..
حياتها سلسلة من المعاناة والآلام .. وبقدر معاناتها . كانت سماحتها وطيبة قلبها وعذوبة كلماتها التي تخترق القلوب بالحب .. اسمها سماح .. ومن اسمها كان لها نصيب كبير للغاية في صفاتها حياتها عبارة عن ثلاث ورقات .. واحدة ضاعت ومعها فقدت هويتها لكنها أبداً لم تفقد حلمها وانسانيتها .. أما الثانية فكانت وساما يؤكد سمو أخلاقها وسماحة قلبها .. والثالثة هي الورقة التي تؤكد الحقيقة الوحيدة في حياة البشر جميعا .. ومابين الثلاث وريقات كانت حياة »‬سماح» المليئة بالأحزان والأفراح ..
>>>
الورقة الأولي هي ورقة بالية .. آبي الزمن ان يتركها لها .. اختفت وسط الزحام عندما عثر عليها الاهالي بجوار محطة قطار الزقازيق ليلاً كانت هذه الورقة أو ربما فيها سر الطفلة الرضيعة التي وجدوها قبل عشرين عاماً في منطقة مظلمة.. أمسك بها طفل كان بصحبة والده وتصادف مرور قطار مسرع وكانت الورقة مثل طائرة ورقية هربت من يد الصغير . ومعها ربما مات سر الصغيرة.. هكذا عرفت »‬سماح» من زوجة الرجل الذي تولي تربيتها بعد رحيله .. عندما قررت الزوجة ان تتخلص من الفتاة .. وكان عمرها ١٠ سنوات فخرجت ضالة تائهة ووسط زحام المسافرين راحت تستقل القطارات بلا هدف سوي بيع المناديل الورقية .. تذهب من قطار إلي آخر والموت يحاصرها في كل مرة .. وعندما ينهكها التعب تفترش منطقة مهجورة أو عربة قطار مرابطة في المحطة لتنام .. سنوات مرت بآلامها ومآسيها علي »‬سماح» .. وفي السادسة عشر من عمرها هجرت القطارات وتحولت إلي بائعة متجولة .. تفترش الرصيف .. ثم افتتحت كشكا صغيرا .. ووسط هذه الحياة التي لم تخل من كوارث وصعاب أبت »‬سماح» أن تنحني أو تنكسر.
مرت عليها الأيام وهي عازمة علي أن تعيش وألا تكون مجرد رقم بين المئات ممن ألقي بهم أسرهم إلي الشارع .. رفضت أن تعيش وبداخلها شعور انها أبنة خطيئة أو ثمرة حرام .. كانت تقول لي »‬أب وأم» لكنهما بلا قلب مرت الأيام وعثرت سماح علي طفل ذكرها بمأساتها .. قررت ان ترعاه .. وكانت القلب الذي يعطف ويحتوي الأطفال من أمثالها .. وكثيرون منهم كانوا ينادونها بـ »‬ماما» من شدة عطفها وسماحتها .. كانت رمزا لانسانية مفقودة لدي الكثيرين.. تري أنها أم المشردين والمشردات .. فعلت مالم يفعله الآباء مثل والديها الذين تجهلهما .. تعطي الأطفال القوة والعزيمة .. تخطب فيهم كأنها رئيسة حزب في أوروبا..
>>>
فجأة أحبت »‬سماح» وخفق قلبها للحب .. لشاب من نفس ظروفها وقتها تأكدت ان الدنيا ابتسمت لها .. حلمها يقترب لتكون أما لطفل ترعاه وتضعه بين جفونها وليس كما فعلت والدتها .. أدركت ان »‬عماد» هو هدية القدر لها .. وانه ثمرة الحب الذي نشرته في كل مكان ومكافأة سنوات العذاب والكفاح .. وهي لا تدري ان كلمة النهاية تقترب اتفق العروسان علي موعد الزفاف .. ووجدت »‬سماح» ان لها أهل وأقارب اكثر من أقاربها الذين لا تعرفهم .
استقلت سيارة العرس .. وكلها فرحة وسعادة .. وكان طائر الموت الحزين يرفرف حولها .. اصطدمت السيارة بسيارة نقل ثقيل بسبب حركات بهلوانية قام بها قائد السيارة التي تستقلهاشأن مايحدث في الأفراح .. مات السائق في الحال .. وهي تم نقلها في حالة سيئة للمستشفي .. في حالة خطر ، تصارع الموت .
ووقف العريس إلي جوارها في حالة ذهول وهو ينظر إلي الدماء التي لطخت فستانها الأبيض والدموع تتلاحق من عينه ولسان حاله كأنه يقول كلمات »‬نذار قباني» »‬يا امرأة تمسك القلب بين يديها سألتك بالله لا تتركيني.. لاتتركيني فماذا أكون إذا لم تكوني؟! »
>>>
لحظات قاسية مرت علي العريس .. عشرة أيام وهي تصارع الموت حتي فاقت للحظات وطلبت من الطبيب ورقة كتبت فيها شهادتها التي تؤكد دليلا آخر علي انسانيتها.. أكدت فيها براءة سائق النقل الثقيل من اصابتها وموت سائق سيارة عرسها الذي لم يتم وحملت سائقها المسئولية .. سطرت الورقة وزينتها ببصمتها لانها كانت تجهل القراءة والكتابة .. بعدها اغلقت عينيها وفاضت روحها إلي بارئها ..  وسطرت برحيلها الورقة الثالثة في حياتها »‬شهادة وفاتها» وهي الحقيقة الوحيدة في حياتنا انه »‬الموت» .. رحلت وجه القمر .. وقدم العريس شهادة وفاة الحبيبة ومعها الورقة الثانية التي قدمت فيها دليل براءة قاتلها .. تعترف بآخر أنفاسها أنه بريء من قتلها .. وقتها قضت محكمة جنايات الزقازيق ببراءة سائق النقل .. صدر الحكم برئاسة المستشار عمرو ياسين وعضوية المستشارين محمود البنداري وخالد سمير وأمانة سر محمد البرماوي.      

عدد المشاهدات 87

الكلمات المتعلقة :