حوارات

رئيس الجالية اليونانية: مصر ليست وطناً «ترانزيت»


نيقولا يستعرض تاريخ اليونايين المصريين بمعرض داخل المحل الخاص به

   زكريا عبدالجواد
4/27/2018 9:19:18 PM

صوت »إدموند نيقولا أكاسيماتس»‬ رئيس الجالية اليونانية بمصر لا يدل أبدا علي أنه في الثمانين من عمره، مازال الرجل يحتفظ بنبرات كالنغم، تستقطب المسامع، وتجعلك فريسة لفخاخ الدهشة  من حكيه لقصص لا تنسي. أنصتنا إليه وهو يتكلم عن فخره بمصريته وعشقه لمصر.. فتمنينا أن نصنع من حبه لهذه البلاد أقراصًا، يتعاطاها  كثيرون، حتي يتعلموا كيف يكون الانتماء لتراب هذا الوطن.
في الدور الثاني من محله العريق للملابس  »‬منيرفا» بالإسكندرية وجدناه يجلس علي مكتب خشبي فاخر، تفوح من وسط زحمته رائحة ماض جميل، تجاوره لوحة زيتية للسيدة العذراء، وعلي يمينه صورة عتيقة لرجل يقف بشموخ، يرتدي زيا مهندمًا، وطربوشا أنيقا، ويخط وجهه شارب مميز، وحين لاحظ تأملي لجمال هذه الصورة.. قال لي بابتسامة كلها حنين ووحشة: إنه أبي.   
وجدت خلفه فاترينة تحوي صفحات من جريدة قديمة اسمها »‬الشعوب» تتحدث عن اليونانيين في مصر - خاصة في مدينة الإسكندرية - وخريطة لعروس البحر المتوسط، توضح خطوط حدودها  عام 250  قبل الميلاد، وعلي الحائط المقابل ساعة قديمة جدا، توقفت عقاربها، ولكنها لم تؤثر علي ركض الأيام بتاريخ كتب أمجادًا للجالية اليونانية في مصر.
• بعد أن بدأت  »‬أخبار اليوم» الاستماع لحكايات »‬إدموند»  قاطعتنا تحية أحد العاملين له: »‬صباح الخير يا »‬خواجة» فرد التحية ببشاشة، وبلهجة إسكندرانية خالصة.. فسألته: أمازلت كلمة »‬ خواجة» باقية حتي الآن؟ وكيف تستقبلون هذا الوصف كيونانيين؟  
ابتسم .. وقال: هذه الكلمة نشعر أنها تشريف للشخص الذي يخاطب بها، وتبهجنا جدا، وتدل فيما بيننا  علي الوجاهة الاجتماعية وهي مفردة لم تذب مع مرور الوقت علي العصر الذهبي لتواجد آلاف اليونانيين في مصر خاصة بمدينة الإسكندرية.
• سألته: كيف ترون مناسبة »‬ أسبوع إحياء الجذور» المقرر بعد غد والذي سيشهد دعوة الجاليات اليونانية والقبرصية لزيارة الأماكن التي سبق لأجدادهم الإقامة بها في مصر، ومنها مدينة الإسكندرية؟
- إنها مناسبة رائعة.. خاصة أنها تعيد أجواء تاريخ مهم لنا في مصر، وتقرب أجيالا شابة من زمن عاش آباؤهم وأجدادهم فيه  أزهي عصور التجارة والتلاحم المجتمعي مع الشعب المصري، ومن الممكن أن يكون لها مردود اقتصادي، بجذب مستثمرين يونانيين إلي مصر من جديد والاستفادة من ذلك بمصانع وشركات جديدة تحقق مزيدا من فرص العمل.
• وما الذي يمكن أن تقدموه كيونانيين لإثراء هذه المناسبة؟
- نحن جزء لا يتجزأ من الشعب المصري، ونقف خلف الدولة المصرية، ولن نتردد في تلبية أي مطالب تعزز من  وضع مصر في الداخل والخارج.   
• للجالية تاريخ عريق في مصر .. حدثنا عن ذلك.
- نعم.. ويمتد لآلاف السنين في مصر، لأن اليوناني لا يعتبر مصر وطنا »‬ترانزيت»  - كغيره من الأجانب - بل يعتبرها بيتا ثانيا يعتز بالانتماء إليه، وهو ما حدث مع والدي الذي أسس سلسلة محلات منيرفا بالإسكندرية عام 1908 وأنا أمثل الجيل الثاني من اليونانيين الذين استقروا في الإسكندرية حيث ولدت هنا بعد مجيء والدي في أواخر القرن التاسع عشر، كعامل في أحد محلات الملابس، ثم تاجر، بعد امتلاكه لرأس مال قليل، ضاعفه بمساعدة أقارب في اليونان وبدأ بأول محل في شارع شيزوتريس والعطارين ثم توسعت تجارته حتي أنشأ فرعين آخرين.
• ولماذا يفضل اليونانيون مدينة الإسكندرية تحديدا عن غيرها من المدن؟
- الجالية كانت منتشرة في محافظات عدة في مصر، ولكن أغلب أفرادها كان يفضل الاستقرار والبقاء هنا في الإسكندرية، وأنا أعتبرها مدينة ذات طابع يوناني خالص، حتي إن الاجازة الأسبوعية لجميع المحلات والحرف للعاملين - المسلمين والمسيحيين - كانت يوم الأحد، تماما كما في اليونان عكس باقي المدن التي تعتبر الجمعة إجازة. وكانوا مختلطين مع الشعب السكندري اجتماعيا. واشتغل اليونانيون بحرف ومهن كثيرة، منها: جرسونات، وسائقو تاكسي، وخراطون، وكانت هناك رابطة للخادمات اليونانيات العاملات بالإسكندرية.
• كان لكم مشاهير في عالم المال والأعمال أحدثوا نقلة نوعية في حركة التجارة والصناعة المصرية.. ماذا عنهم؟
- نعم .. ومنذ قرون هاجر اليونانيون للإسكندرية والقاهرة وبعض المحافظات مثل المنوفية وكان لرجال أعمال يونانيين أثر كبير في في حركة التجارة والصناعة بمصر في هذا الوقت ومنها علي سبيل المثال: شركة كفر الزيات حيث كانت ملك اليوناني »‬ديمتري زربيني».
وكذلك اليوناني »‬ساكيلاري» الذي لولاه ما ظهر القطن طويل التيلة في مصر وهو الذي زرعه، وأذكر أيضا »‬ كوتسيكا» كان صاحب مصانع »‬السبيرتو» وكان ينتجه باستخدام عوادم شركة السكر الانجليزية في ذلك الوقت، وكانت مصر بفضله من أكبر الدول المصدرة لهذا المنتج علي مستوي العالم، وله عمارة معروفة بإسمه في المنشية بالإسكندرية، وبني مستشفي كبيرا »‬كوتسيكا» الذي تغير اسمه لـ»جمال عبد الناصر» فيما بعد، بعد أن تسلمته الدولة حيث  كان مديناً لها بمبالغ للتأمينات.  
• كم كان عدد الجالية اليونانية في مصر قبل قرن أو أكثر وحتي الآن؟
- منذ مطلع القرن العشرين وتحديدا في الفترة من 1900 حتي 1950 شهدت مصر رواجا تجاريا كبيرا خاصة مدينة الإسكندرية التي تنوع فيها أصحاب الحرف من اليونانيين، وقُدر عدد أفراد الجالية اليونانية في الإسكندرية وحدها بين  150 إلي 200 ألف ونفس الرقم في القاهرة..وكان هناك أعداد أقل في محافظات مختلفة وحاليا تناقص العدد ووصل إلي أقل من 4 آلاف بالإسكندرية و5 آلاف بالقاهرة أغلبهم رجال أعمال يمتلكون مصانع ومحلات.

عدد المشاهدات 755

الكلمات المتعلقة :