حوارات

جيل «المولوتوف» يحتاج إلي عــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلاج ســــــــريــــــــع

د. أحمد زايد أستاذ علم الاجتماع السياسي :


  حوار: أحمـد مــراد / محمد جمعة
6/22/2018 10:27:46 PM

يجب وقف الحديث السلبي عن المصريين
حدد د. أحمد زايد، أستاذ علم الاجتماع السياسي والعميد الأسبق لكلية الآداب بجامعة القاهرة،عدة معالم لخريطة طريق تهدف في مجملها إلي إعادة بناء الإنسان المصري ليكون قادرا علي النهوض بمستقبله ومستقبل وطنه،داعيا إلي العمل الجاد من أجل اقتلاع التشوهات التي تعاني منها الشخصية المصرية. وأوضح زايد، في حوار لـ »أخبار اليوم»‬،أن خريطة إعادة بناء الشخصية المصرية تعتمد علي مثلت من ثلاثة أضلاع تقوم علي التنمية الاقتصادية والتعليم والثقافة، وبناء المواطنة.. وإلي نص الحوار:
ثـورتــا 25 ينايـــر  و30 يونيـو بريئتان مــن التشوهات التي أصابت المجتمع المصري
المرأة مكمل أساسي في تكوين شخصية الإنسان المصري
تراجع نفوذ القوة الناعمة بسـبب اهتمــامهـــا بآليات الســوق والـربـح فقـط
لا لغـلـــق وســــائـــــل التــــواصــــل الحديثة.. ولكن علينا أن نراقبها حتي يتم استخدامها بشكل إيجابي
• بداية.. في أعقاب ثورتي 25 يناير و30 يونيو، طرأت بعض التغيرات علي الشخصية المصرية، الأمر الذي دفع الرئيس السيسي إلي الدعوة لإعادة بناء الإنسان المصري،معتبرا ذلك من أولويات الدولة المصرية في المرحلة القادمة.. فماذا حدث للشخصية المصرية؟
ــ هناك بعض التشوهات التي أصابت الشخصية المصرية، لكن هذه التغييرات حدثت نتيجة مشكلات تاريخية قديمة لم يخلقها الإنسان المصري وإنما ورثها من ظرف الحداثة عبر الزمن، فقد لبس الإنسان المصري ثوب العيش دون أن يُستشر، بمعني أن حُكاما وأنظمة عبر التاريخ هم من صنعوا له الحداثة والتغيير، ولأن كل نظام كان يختلف عن الآخر خُلقت تشوهات في المجتمع.
وفي السنوات الأخيرة التي أعقبت ثورتي 25 يناير و30 يونيو،لم تحدث أي تغييرات جذرية للشخصية المصرية،وإنما هي تغيرات عارضة وليست جوهرية،ولم تؤثر الثورة في أساسيات الشخصية الموجودة حاليا التي ورثناها من الماضي، باستثناء شذوذ بعض الحالات.
• لعبت المرأة علي مدي التاريخ أدوارا مهمة في تشكيل وتكوين الشخصية المصرية، وفي السنوات الأخيرة تنامي دورها بشكل ملحوظ لاسيما علي مستوي المشاركة السياسية.. فكيف ساهمت المرأة في تكوين الشخصية المصرية؟
ــ للمرأة دور كبير جدا في تكوين وبناء شخصية الإنسان المصري، فالمرأة هي من تتبلور حولها شخصية الأسرة، وهي عمود المنزل والركن الأساسي له، حيث تُشرف علي تعليم وتربية الأبناء وعلي مسئوليات إعداد الطعام والشراب، وهي من يبني القيم الأسرية، بخلاف مشاركتها -أحيانا- في العمل خارج المنزل، لذا دروها أساسي لبناء الشخصية والقيم المصرية. كما أنها مكمل أساسي في بناء اقتصاد الدولة، وهو دور بارز وكبير جدا عبر تاريخنا منذ عهد الفراعنة، وقد ظهر دورها بوضوح في ثورة 30 يونيو والاستحقاقات الانتخابية التي جرت في أعقاب الثورة، وهو الأمر الذي انعكس بالإيجاب علي شخصية الإنسان المصري في السنوات الأخيرة.
• هناك جيل قادم عاش سنوات علي أصوات المولوتوف وأحداث الاغتيالات وسقوط الشهداء.. برأيك ماذا سيقدم هذا الجيل للمستقبل؟.. وكيف تعمل الدولة علي إعادة بناء شخصية هذا الجيل؟
ــ هذا الجيل يحتاج إلي جهد كبير جدا من الدولة المصرية لإعادة بناء شخصيته، حتي يكون قادرا علي تحمل مسئولية المستقبل، لاسيما وأن الكتلة الأكبر للمجتمع المصري من الشباب، وهؤلاء الشباب مروا بظروف قاسية كثيرة خلال الـ8 سنوات الماضية،لذلك هم بحاجة إلي تنمية من الناحيتين البشرية والاجتماعية وإلي رفع خصائصهم الاجتماعية والعلمية والصحية، وبحاجة أيضا إلي تمكينهم، لأنهم هم أمل المستقبل،  لذلك نري هذا الاهتمام الكبير من الرئيس السيسي بالشباب وقيامه بإنشاء الأكاديمية الوطنية للشباب، وهذا الاهتمام من الدولة من الأمور الأساسية التي يجب تشجيعها وتنميتها.
• وكيف نعيد الشخصية المصرية إلي نصابها الصحيح؟
-قبل كل شيء، هناك مقدمات لابد أن نؤكد عليها، أولا: أن الإنسان ليس هو المسئول عن التشوهات أو الأشكال غير المنضبطة في القيم والسلوكيات، وإنما المسئول عن ذلك هو السياق الذي يعيش فيه الإنسان، ثانيا: أنه من أجل بناء الإنسان يجب النظر إليه بنظرة إيجابية وليست سلبية، فلا سبيل لبناء شخص نتحدث عنه بشكل سلبي، لذلك يجب وقف الحديث السلبي عن المصريين، ثالثا: أن المصريين لديهم قدرات هائلة وإمكانيات إبداعية كثيرة جدا، وعلينا ألا نقصر النظر علي فئة معينة ومن المهم أن ننزل إلي الطبقات الأقل داخل المجتمع، وننظر أيضا إلي كيف تُبني الطرق وتُزرع الأرض وكيف نصنع، أليس الإنسان المصري هو من يفعل كل ذلك؟.. هناك إنجازات كثيرة فعلها المصريون، فالإنسان المصري مُنجز، لذلك لابد أن نضع هذه المقدمات الثلاث أمامنا ونحن نُعيد بناء الإنسان المصري.
• وهل هناك خريطة متطلبات معينة لإعادة بناء الإنسان المصري؟
- الخريطة عبارة عن مثلث من ثلاثة أضلاع، الضلع الأول: الاقتصاد، فلا تستطيع أن تبني شخصا إلا إذا وفرت له الإمكانيات وسُبل العيش الكريم والسكن الآدمي، وهذا لا يمكن أن يتم إلا بتنمية اقتصادية حقيقية توفر فرص العمل والاستثمار وتخلق الأنشطة، فالاقتصاد هو العمود الفقري في البناء لأنه هو الذي يخلق الكرامة الإنسانية ويمنح الحق في العيش.
والضلع الثاني: التعليم والثقافة، ذلك أن التعليم هو الذي يُكسب الإنسان المعرفة والمهارة، والثقافة تبني العقل المتفتح القادر علي استيعاب تغيرات العصر وتجعل لديه المرونة الكافية للتفاعل الخلاق الذي يقبل التنوع ولا يرفض الآخر، ويؤمن بالعدل والشفافية والنزاهة، وبذلك يكون العقل قادرا علي تكوين منظومة حداثية فكرية ينطلق بها نحو المستقبل وينسي الماضي، فلا نأخذ من الماضي سوي القيم والمبادئ التي ننطلق بها إلي المستقبل دون العيش علي أمجاد وذكريات التاريخ.
أما الضلع الثالث فهو بناء المواطنة، بمعني بناء النفس علي الارتباط بالوطن والانتماء إليه، وعلي الاهتمام بالقيم والمصالح العامة، كل ذلك تشارك في بنائه الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، والتعليم والثقافة يساهمان في بناء المواطنة لكن المشاركة من قبل المجتمع هي الأهم، لأن الإنسان خاصة الشباب عندما يشاركوا في الحياة الاجتماعية والعمل الجماعي يرتبطون أكثر بالوطن والعمل من أجله، وكل ذلك يساهم في طاقة المواطنة.
وفي كل الأحوال لا تنمية للإنسان دون تنمية السياق الذي يعيش فيه، من خلال الضلع الأول الذي يعتمد علي الاقتصاد، بحيث يعيش الإنسان في سياق حاضن وشفاف بعيدا عن السياقات الأخري المُنفرة والمليئة بالمشاكل والمحسوبية، لابد أن يبتعد المجتمع عن كل ما هو مُنفر وأن نخلق سياقا حاضنا للبشر.
• من وجهة نظرك.. لماذا فقدنا تأثير القوة الناعمة في تطوير الشخصية المصرية؟
ــ لأن بعض هذه القوة أصبحت تهتم بآليات السوق والربح بعيدا عن الاهتمام برقي الإنسان، فكما ذكرت بناء العقل يعتمد علي الثقافة، والثقافة مرتبطة بالقوة الناعمة، وهذه القوة ليست المسلسلات والفن الهابط، وإنما الفن والأدب الراقي، لذلك يجب علي الدراما والسينما وغيرهما أن يبتعدوا عن التجارة وآليات السوق التي تفسد الحياة وأن يكون هدفهم هو الاهتمام الرقي بالإنسان والعقل، وهنا لابد أن يكون هناك ضبط لآليات السوق من خلال الدور الذي يجب أن تقوم به الدولة.
• الجيل المنفتح حاليا علي العالم من خلال وسائل الاتصال الحديثة كيف يمكن حمايته من فقدان هويته وثقافته المصرية؟
ــ بالتأكيد الوسائل الحديثة الموجودة حاليا -في متناول الصغار والكبار- تمثل خطورة كبيرة جدا علي الهوية والثقافة وتحديدا بالنسبة للمراهقين والشباب، لذلك فإن مهمة حماية الشخصية المصرية تحتاج إلي رقابة شديدة وآلية عمل لضبط التعامل مع هذه الوسائل التي جعلت العالم مكشوفا، والأمر هنا بالتأكيد لا يجعلنا نتجه لإغلاق هذه الوسائل وإنما نراقبها ونراقب أنفسنا بحيث يتم استخدامها بشكل إيجابي في المعرفة والتعليم وتنمية المهارات.

عدد المشاهدات 297

الكلمات المتعلقة :