حوارات

خارطة طريق «قومية» لاستعادة الإنسان المصري

أطلقها الرئيس السيسي .. وخبــراء يحـــددون معـالمهـا


  حوار : زكريا عبدالجواد
6/22/2018 10:31:21 PM

في خطاب مهم، ألقاه الرئيس عبدالفتاح السيسي مع بداية الولاية الرئاسية الثانية، دعا في إلي إعادة بناء شخصية الانسان المصري مؤكدا أن هذه المهمة تتصدر أولويات الدولة المصرية في المرحلة المقبلة.. دعوة الرئيس السيسي فتحت ملفاً مهماً في وقت تواجه فيه مصر العديد من التحديات سواء علي المستوي الداخلي أو الخارجي، الأمر الذي يتطلب العمل علي إعادة بناء الإنسان المصري من جديد حتي يكون قادراً علي مواجهة هذه التحديات، فضلا عن ضرورة الحفاظ علي الهوية المصرية الأصيلة في ظل وجود جيل جديد من الشباب عاصر أحداثا دموية وخطيرة علي مدي السنوات السبع الأخيرة.. إعادة بناء شخصية الإنسان المصري »‬مهمة شاقة» للغاية، لا تستطيع جهة واحدة بعينها القيام بها.. وفي هذا الملف التالي يطرح خبراء النفس والاجتماع »‬خارطة طريق» لإعادة بناء شخصية الإنسان المصري:
د. أحمد عكاشة :
الديمقراطية والتعليم والمرأة..القوة الثلاثية لعلاج شخصية المصريين
ثورة ٣٠ يونيو خلقت لدينا مناعة ضد الأفكار الظلامية
الإخوان مارسوا ضلالاً سياسيا لطمس الهوية وقتل الانتماء للوطن
الأخلاق »‬وقود» نهضة الأمم.. و»‬الفهلوة» آفة المصريين الأولي
الديموقراطية، والتعليم، والاهتمام بدور المرأة.. من أهم محاور بناء الشخصية المصرية التي  حددها د. أحمد عكاشة، عالم الطب النفسي الكبير ومستشار الرئيس عبد الفتاح السيسي للصحة النفسية والتوافق المجتمعي.  
وأوضح»عكاشة» أن شخصية المواطن المصري تعرضت للكثير من التغيرات خلال عقود مضت، نتيجة تيارات فكرية مختلفة منها ماكاد يعصف بالهوية الحقيقية له، مثل التيارات الظلامية لجماعة الإخوان الإرهابية، مؤكدا أن  الذي حمي الشخصية المصرية من الانزلاق لهذا الفخ هو التركيبة المجتمعية المتفتحة التي تعتبر حصنا من أية أفكار هدامة.
وأكد أن »‬الفهلوة» هي الداء الحقيقي لغالبية المصريين، مطالبا بضرورة التخلي عن هذه الصفة الذميمة التي يعتبر تغييرها ترسًا مهما في النهوض بالوطن.  
وأشار »‬عكاشة» إلي دور القوة الناعمة في تشكيل الشخصية المصرية معولا علي الإعلام - بجميع أنواعه - في تشكيل الوعي الحقيقي للمواطن، ولكنه لام علي أداء أغلب القنوات الإعلامية وتهويلها في بعض الأمور، والذي انعكس بالسلب علي المجتمع في السنوات الأخيرة، ومنها المبالغة في الاهتمام الإعلامي بامتحانات الثانوية العامة، حتي تحولت لبعبع داخل  كل أسرة، وهو ما لا يحدث في أية دولة علي مستوي العالم.
وأكد عكاشة أن وجود هيئات منوطة بمحاسبة المنصات الإعلامية المتجاوزة أمر جيد، وسيأتي بنتيجة إيجابية علي الأداء الإعلامي في المرحلة المقبلة،  وحدد مزيدا من المحاور التي يمكن أن تعيد بناء الشخصية المصرية من منظور نفسي في الحوار التالي :
سمات الشخصية المصرية
• ماهي السمات الرئيسية للشخصية المصرية من منظور نفسي، وهل تعتقد أن هناك تحولات حدثت بها ؟
- كتب ابن خلدون وجمال حمدان عن الشخصية المصرية أنها تميل للسلبية والخضوع، وتأليه الحاكم، وتبتعد عن مواجهة الظلم الواقع عليها، بحثا عن الراحة، وخوفا علي مصدر الرزق، ولا ننسي أن المصري وقع تحت تأثير تأليه الحاكم منذ آلاف السنين بدءًا من حكم الفراعنة مرورا بالصور المختلفة للاستعمار.
وقال ابن خلدون إنها شخصية تميل للفكاهة والنكتة للهروب من الواقع الأليم ولاشك أن هناك كثيرا من التحولات حدثت للشخصية المصرية فاتجه أغلبهم لما يسمي بالـــ »‬الفهلوة»، وللأسف غالبية المصريين يتعاملون بهذا السلوك لأنهم يعتقدون أنه السبيل الوحيد لتحقيق النجاح، بغض النظر عن الكفاءة.
ولابد من الأخذ في الاعتبار أن الشخصية المصرية تتميز بالانبساطية وحب الاختلاط والدفء العاطفي وسهولة الإيحاء »‬طيبة القلب» مع الإحساس بالمسئولية الأسرية والانتماء والتمساك مع طقوس التدين وحب الأسرة أكثر من الوطن.  
• ومن المسئول عن ذلك وهل بناء الشخصية المصرية يحتاج إلي قرار لإعادة اكتشافها من جديد؟
- العملية تراكمية ومعظم الحكام السابقين كانوا يفضلون أن يعيش الشعب في حالة من السكينة والخنوع أما قيمة العمل عندهم لم تكن مهمة وبحروب 56 و67 و73 لم يشعر المصريون بأي تغيير في أسلوب حياتهم رغم ضراوة الحرب التي سقط فيها كثير من  الضباط والجنود شهداء في سيناء وبالآلاف ربما كان  الحاكم حينها  لايريد ثورة من المدنيين، وأعتبر أن هذا هو السبب الأول للاستكانة والخنوع والسلبية، التي التصقت بنسبة كبيرة من المصريين.
• هل يمكن أن نرجع ذلك لتدني الأخلاق عند البعض وكيف نفعل منظومة من القيم تعيد سلوكيات حميدة افتقدناها ؟
- الأخلاق لا تأتي بالوراثة، ولكنها إفراز مجتمعي، وكلما كان المجتمع لا يطبق  القانون علي الجميع ولايقيم  العدل ويتلاشي فيه احترام المواطن، كانت الأخلاق بعيدة عما نسميه بالأخلاق العلمية والتي نحددها بعدة صفات منها: المصداقية والتي تعني الانضباط والاتقان وتحمل المسئولية، والعمل والانتاج والتعاون بروح الفريق وتجاوز الذات حيث كل الأديان والفلسفات تقول إن الرضا النفسي وسعادة الإنسان تعتمد علي التمركز حول الآخر وحول الوطن أكثر من التمركز علي الذات وهذه الصفات لا تأتي صدفة ولكنها إفراز لاحترام القانون والعدل وأهم من كل ذلك التعليم.
• وهل يمكن تفعيل ذلك بسهولة؟
- بالطبع.. والدليل أن المصريين حينما يسافرون للخارج يلتزمون بأخلاق وقوانين الدول التي يعملون بها  لأنهم يعرفون أن القانون يطبق علي الجميع ولا يلتزمون به في مصر ليقينهم أنه لا يطبق كما في الخارج، وهو مايترتب عليه إحساس سلبي تجاه المجتمع الذي يعيشون فيه.
• هل يمكن أن تكون الظروف الاقتصادية سببا في حالة تغير الشخصية المصرية للأسوأ في بعض الأحيان؟  
- لا.. وعلي المجتمع المصري حاليا أن يعيش في اقتصاد حرب، حتي تنهض الأمة علي قدمين ثابتتين، ولكن للأسف نجد مواطنين ينظرون إلي ما هو متاح حاليا ويتكلمون عن الغلاء والأسعار، بينما إذا  نظرنا إلي شعب البلاد التي نهض اقتصادها مثل ألمانيا واليابان وغيرهما أثناء الحرب العالمية الثانية وبعدها بأربع سنوات كان يعاني الجوع ونسي متع الحياة في سبيل الوطن وهذا ما قاله تشرشل لشعبه:  سينتصر الوطن بتحملكم ذلك.
• وكيف يمكن تحسين الصحة النفسية للشخصية المصرية؟
- تحسن الصحة النفسية ومرادفها »‬الرضا النفسي» لن يتحقق إلا بالمصداقية والانضباط وتجاوز الذات وتأصيل فكرة روح العمل وهذه المقومات تميز قلة في مصر وهم العاملون في المؤسسة  العسكرية وهو ما يؤكد أن معظم المؤسسات المدنية في حاجة إلي إعادة البناء من جديد ويجب تعلم ثقافة العمل، والتاريخ يشهد ان الدول التي تقدمت بعد الحروب التي خاضتها، كان ذلك نتيجة تفعيل الانتماء للوطن، بغرس الأخلاق الحميدة، في كل مناحي الحياة، وهو ما انعكس سريعا علي تقدمها ونهضتها.   
وأحد العلماء الحائزين علي جائزة نوبل  في الاقتصاد والسلوك قال كلمة مشهورة : »‬ لا تصدق أن نهضة أي أمة تكون بالاقتصاد أو القوة العسكرية أو الموارد الطبيعية ولكن بأخلاق المواطن» وحين سئل رئيس سنغافورة : كيف حققت بلادك هذا النمو المذهل في وقت قياسي ؟.. قال: أنا لم ابن سنغافورة، ولكني قمت ببناء الإنسان السنغافوري» وفي إحدي جمل الرئيس عبد الفتاح السيسي في خطابه الأخير قال إننا نريد البناء الجديد للشخصية المصرية، وهذا الأمر يحتاج للتعليم، والتعليم الحالي في مصر غير قادر علي بناء الإنسان الذي يستطيع النهوض بدولة، ومنظمة اليونيسكو قالت إن الدول العربية لن تتقدم إلا إذا أخذت في الاعتبار ثلاثة أشياء: التعليم والديموقراطية وتمكين المرأة.
• الجيل الذي عاصر ثورتي 25 يناير و30 يونيو شهد وقوع حوادث إرهابية وشهداء من المدنيين ورجال الجيش والشرطة كيف يمكن أن تؤثر هذه الحقبة علي الشخصية المصرية؟
- هذه الأحداث كونت مناعة عند المصريين،  وكانت حائط صد منيع ضد أفكار المتطرفين وخاصة نهج جماعة الإخوان الإرهابية وهي درس للصمود لهذا الجيل بعد أن رأوا أن القتل والتطرف نتيجته الفشل في كل شيء، وتأكدوا أنه ليس هناك أهم من الثقة والمحبة بين المواطن وأخيه وهذا الإحساس كاف لنهضة هذه البلاد، وتأكد هذا الجيل أن  العنف لن يكون حلا أو مكسبا لأي دولة في العالم ولن ينتصر أبدا.
• هل الانتماء الحقيقي للوطن موجود بين المصريين  أم أنه يقتصر علي  الانتماء لمحيط الأسرة العائلي الضيق؟
- للأسف كنا نعيش في مرحلة ضلال سياسي قامت  به جماعة الإخوان الإرهابية وهم لايؤمنون بالوطن ولا يؤمنون بمصر ولكنهم يؤمنون بما يقال عنه »‬الأمة الإسلامية» وهم بذلك يريدون إلغاء الهوية المصرية واستبدالها بالهوية الإسلامية. وأري أن الشعور بالانتماء للوطن في مصر ضعيف وأذكر جملة لوزير خارجية بريطانيا السابق أنتوني ناتينج والذي قال إن المصريين يعيشون في مصر ولكنهم لا ينتمون إليها.وهذا الأمر يبدو جليا  في الانتخابات النيابية كمثال  أو في غيرها بالصعيد أو الأرياف عموما حيث لا ينظر الناخبون لما يمكن أن يقدمه المرشح ولكنهم يهتمون بالعصبية القبلية علي حساب الكفاءة.
التعليم هو الأمل
• وهل مشروع التعليم الجديد سيعدل من سلوكيات الشخصية المصرية ويعزز من روح الانتماء والمواطنة؟
- بالطبع.. لأنه يرتكز  علي بناء فكر الطفل، وأنا أري أن المشروع القومي للتعليم الذي سيبدأ في سبتمبر هذا العام سيكون عماد البناء للشخصية المصرية، حيث يتم بمقتضاه بدء المرحلة الابتدائية من عمر خمس سنوات، وخلال الست سنوات الابتدائية يتم البناء الأخلاقي للطفل وغرس السلوكيات الحميدة كالتضحية وانكار الذات واحترام الآخر والحث علي روح التعاون ويتعلم الطفل في مرحلة مبكرة أن المواطنة أهم ركيزة وتكون هذه المرحلة دون امتحان، ولذلك أعتبر أن هذه المنظومة هي طوق نجاة بناء الشخصية المصرية.  
 وهذا المشروع  يشارك فيه الجميع ولم يكن مجرد فكرة من قبل د. طارق شوقي وزير التعليم وحده، إذ يشارك في إعداده المجلس التخصصي الرئاسي، بالمناقشة مع المجلس الرئاسي الاستشاري، بالاضافة إلي المجالس القومية المتخصصة، مع الاستعانة بكل علماء التعليم في مصر.
• هل تري أن استعادة السمات الحميدة للشخصية المصرية أمر معقد وربما يحتاج وقتا طويلا ؟
- لا.. وأنا متفائل..  لأن الشخصية المصرية في تغير مستمر منذ 25 يناير، والتي أعتبر أن لها إيجابيات وسلبيات وأهم ايجابياتها زوال الخوف من الحاكم كما كان سائدا منذ المصريين القدماء ولكن للأسف حدث انفلات أخلاقي وجاءت جماعة الإخوان الإرهابية وسعت لإلغاء الوطن بفكر ضلالي وهو الذي يركز علي الرأي الواحد ويعتبر غير هذا الرأي ضلاليا وكافرا وهو فكر المرجعية السلفية.
• وبرأيك ماهي أكثر الصفات سلبية في المواطن المصري؟
- الفهلوة..والتي لم أجد لها مرادف بالإنجليزية أو الفرنسية وهي سمة غالبية المصريين وفي محاولة لتفسيرها قيل إنها جاءت من  كلمة »‬ بهلوي» الإيرانية ولكن ثبت خطأ التفسير لأن شاة إيران لم يكن مهرجا أو بهلوانا ولكن أعتقد أنها جاءت من بهلوان وهو الاسم الذي يطلق علي المهرج بالسيرك.
 وقديما كانت تطلق علي العامل الماهر جدا وجاءت مع بداية المهن اليدوية التي كانت تعتمد علي العمالة الماهرة والتي كانت تشتغل بها مصر في العصر المملوكي حتي جاء الأتراك وأخذوا أمهر العمال إلي الأستانة في تركيا وهي في قاموسنا اللغوي تعني الأونطة وادعاء قدرات غير موجودة والتذاكي »‬ انتحال الذكاء».
وهي تعكس تحول مصر من مجتمع يعيش علي الزراعة منذ فجر التاريخ ليصنع أعظم حضارة تذهل العالم حتي الآن حتي وصلنا إلي مرحلة الفهلوة.. وهي تعني  الحصول علي كثير من المال مقابل القليل من الخدمات.والفهلوة موجودة في كل المجالات في مصر، والدولة التي نهضت تعتمد علي شخصيات قوية تنفذ القانون علي القوي والضعيف، وتحقق العدالة الاجتماعية، ومصر ستنهض إذا تحصنا بالأخلاق الحقيقية التي يمكن من خلالها تطوير كل شيء للأفضل. ومن المؤكد أن الذين ينجحون بالفهلوة مصيرهم إلي زوال.
• وماذا عن دور المرأة  في بناء الشخصية المصرية؟
- اليونسكو قالتها صراحة:  لا يمكن لدولة أن تتحسن علي جميع المستويات إلا من خلال تمكين المرأة لأنها  نصف المجتمع، ولها دور تاريخي في حياة البشرية  وفي العهد الفرعوني كان أكثر من نصف الآلهة سيدات، ولكن للأسف تعرضت للكثير من أنواع القمع وأهمها حرمانها من التعليم إذ تؤكد الدراسات أنه لم يكن هناك اهتمام بتعليم المرأة  قبل 500 عام.
وكانت الشعوب تحصر وظيفة المرأة في الإنجاب وتحقيق مطالب الرجل. حتي إنها حرمت من حقوقها السياسية ولم يكن لها الحق في الانتخاب في أوروبا قبل 60 عاما تقريبا.
طاقة المرأة الكامنة
• هل هناك طاقة كامنة في المرأة ظلمتها نظرة المجتمعات وحرمتنا من الاستفادة منها؟
- بالطبع.. حيث نجد أن المرأة تقوم بعمل الرجل وتتفوق عليه في بعض المهن بالإضافة إلي اهتمامها بشئون الطفل والتربية، وفي دراسة حديثة أجريت ثبت أن 70% من الجراحين في روسيا من السيدات.والمرأة حسب منظمة الصحة العالمية تعيش أكثر من الرجل بــ 10 سنوات.
أما من الناحية الطبية والنفسية فثبت أن التوصيلة  ين الفص الأيمن والأيسر في مخ المرأة أقوي من الرجل، ومعروف أن الفص الأيسر يختص بالعمل والعلم والأيمن مهمته العواطف والموسيقي ونطلق عليه الفص الفنان.
• وماذا عن تأثير القوة الناعمة في غرس السلوكيات الحميدة؟
 - الإعلام يشكل وعي المواطن  وكما قال الألماني جوبلز للزعيم النازي هتلر  »‬: اعطني إعلاما بلا ضمير أعطيك شعبا بلا وعي»
وبالنظر إلي الإعلام بجميع أنواعه حاليا - المرئي والمقروء والمسموع والانترنت- نجد أن الأداء غير مرض بشكل ملحوظ والأخير أصبح أهم أدوات بناء الشخصية في سن خطرة جدا للمراهقين والشباب، وأري ان وجود الصوت والرأي الآخر المعارض مهم ولكن علي من يعارض فكرة أو يري أن هناك مشكلة أن يعرض حلولا لها لا أن تكون المعارضة للشو الإعلامي فقط.. حتي تكون المعارضة بناءة.

عدد المشاهدات 539

الكلمات المتعلقة :