فكر وجدل

مدارات

وحدة الجماعة الوطنية


  رجائي عطية rattia2@hotmail.com
1/12/2018 10:16:17 PM

فارق كبير ـ كما كتبت من عشرة أعوام ـ بين أن ترعي الشجرة وتواليها بالري والتخصيب، وبين أن تنساها وتنصرف عنها حتي تذبل فيستدعيك ذبولها إلي ملاحقتها بما فاتك أن ترعاها به .. هذا التدارك اللاحق قد ينجح بلطف المقادير، وقد لا ينجح !
 ومن الخطأ البين أن تترك الشعوب مصائرها إلي لطف المقادير، أوتنتظر غافلة ساهية حتي تدهمها قارعة توقظها من الرخاوة وقلة التفطن، وتستدعي استخراج كل ما لديها لمداركتها مداركة كثيرًا ما تكون متسرعة أوسطحية تحت ضغط الحدث، حتي إذا انحسرت موجته، عادت ريما إلي ما كانت فيه من سبات الاطمئنان !
 من المهم أن تكون رعاية شجرة الوحدة الوطنية رعاية متصلة موصولة، لا تقتصر علي ما يطرأ من أحداث بفعل الإرهابيين أوالمتعصبين، وإنما تنظر إلي الجذور والأعماق، ويحمل مسئوليتها المثقفون والمفكرون والحكماء ورجال الدين من المسلمين والأقباط، في تواصل لا يستغرقه الحدث وملابسات الظرف، لنعود بعده إلي الاسترخاء المريح، وليتسرب إلي الساحة منطق المتعصبين، ويصادر علي قيم الاستنارة والإخاء والتوحد في مواجهة حوادث الإرهاب الذي لا دين ولا وطن له .
    من الواضح أن هناك تراكمات تزحف، لم يعد مقبولاً معها أن نتركها للطف المقادير أونتعامل معها بالقطاعي . الفارق بيننا وبين أسلافنا القدامي، أنهم كانوا متيقظين متفطنين منتبهين مهتمين برعاية هذه الشجرة وتغليق أي منافذ يمكن أن تجلب إليها مفاهيم مغلوطة أوملابسات تخلخل وحدة هذا النسيج وتؤدي بالتراكم إلي زعزعته .. ناهيك بتعريضه للأخطار والأعاصير !
التتويج الملكي !
 في عام 1937، حينما بلغ الملك فاروق سن الرشد بالتقويم الهجري، وأقيم الاحتفال بتتويجه، اقترح الأمير محمد علي بن توفيق ـ الوصي علي العرش ـ أن يجري التتويج في احتفال ديني يعقد في القلعة، ويتولي فيه شيخ الأزهر تسليم الملك سيف جده الأعلي محمد علي باشا في احتفاليةٍ موازية للاحتفال الرسمي، يحضرها أمراء الأسرة المالكة وكبار رجال الدولة . وراق الاقتراح للملك !
رواية الأستاذ محمد التابعي
وفطنة مصطفي النحاس
يروي الأستاذ محمد التابعي في كتابه » من أسرار الساسة والسياسة »‬ ـ أنه التقي يومها بمصطفي النحاس خارجًا من لقاء الملك ويبدوعليه التجهم، فلما سأله : »‬ خير  يا رفعة الباشا »؟ أجاب النحاس : »‬ لا مش خير أبدًا ..أبدًا .. الملك كلمني عن حفلات التولية وعايز حفلة تقام في القلعة، وشيخ الأزهر ـ سامع يا تابعي ـ يقلده فيها سيف جده محمد علي، والأمراء يكونون حاضرين الحفلة ولابسين الهدوم اللي كان جدودهم بيلبسوهـا أيام محمد علي .. إنت عارف ياسي التابعي الدستور بيقول إيه » ؟!
   لفت مصطفي النحاس النظر ـ في تيقظ فطن ـ إلي مخاطر هذا الطابع الديني المروم إسباغه علي التتويج، منوهًا إلي أن الملك ملكٌ لجميع المصريين .. مسلمين ومسيحيين .. وتمسك بأن يجري التتويج طبقًا للدستور أمام الهيئة المشتركة لمجلسي الشيوخ والنواب .. وفي خطابه أمام مجلس النواب عقب علي رغبة الاحتفال الديني بأنها : »‬ إقحام للدين فيما ليس من شئونه » .. وأنه يرأس حكومة تحترم الإسلام وتنزهه، وتحرص أيضًا علي احتـرام الدستور .
    أيامها أيدت الصحافة موقف مصطفي النحاس، وأيده عبد الرحمن الرافعي في كتابه »‬ في أعقاب الثورة المصرية » .. مؤكدًا أن اعتراض النحاس جاء في محله وطبقا لما ينص عليه الدستور. وقد كان ما أراده النحاس .
الوحدة الوطنية أقوي من الأعاصير
في أوليات القرن الماضي، امتحنت الأمة المصرية إمتحانًا عسيرًا إثر اغتيال بطرس غالي رئيس مجلس النظار في (20) فبراير 1910، وفور القبض علي القاتل إبراهيم الورداني، عزا جريمته إلي أسباب سياسية لا علاقة لها بالدين، ما بين اتفاقية السودان (1899)، ورئاسة المحكمة المخصوصة في حادثة دنشواي، وإعادة قانون المطبوعات، واعتقاده أن لبطرس باشا غالي سعيًا حثيثًا لتمرير مد امتياز شركة قناة السويس العالمية، وهوظن غير صحيح، كشف عدم صحته أحمد شفيق باشا في مذكراته التي روي فيها أن بطرس غالي كان ضد الاتفاق علي المد، بيد أن المصلحة العليا للبلاد اقتضت أن يتواري في المشهد الظاهر باتفاقٍ مسبق، جري التخطيط فيه مع سعد زغلول وآخرين لعرض المشروع علي الجمعية العمومية المقدر سلفًا أنها بالتأكيد سوف ترفضه . وقد كان .
  بيد أن سلطات الاحتلال لم تترك حادثة الاغتيال تمر دون استغلال لضرب النسيج الوطني ( وهوما يحاول الكونجرس الأمريكي أن يفعله الآن )، وطفق المعتمد البريطاني آنذاك يلعب علي هذا الوتر لإثارة الشعور القبطي، ويدفع الأمور إلي عقد مؤتمر قبطي احتجاجي في أسيوط، برغم أن بطرس غالي نفسه كان ضد هذا المؤتمر الذي طرحت فكرته وعارَضَهَا قبل اغتياله .
  وبرغم كل عوامل التأليب والتأجيج إذ بواصف بطرس غالي إبن الرئيس الراحل، يكتب إلي إسماعيل باشا أباظة خطابا نشره في جريدة الريفورم ينـوه بجهـوده لاتقاء الفرقة ويطمئنه إلي أن الوفاق تام بين العنصرين وأنه لا يحتاج إلي لجان ولا مؤتمرات، وأنه هوشخصياً قد تناسي الحملات التي وجهها بعض الكتاب إلي المرحوم والده في بعض الصحف اقتناعاً منه بأنها لا تعبر عن عقلاء الأمة، وذكر واصف بطرس في رسالته قالة الخديووشيخ الأزهر له عن الأعمـال الطيبة لمصر والتي سجلها التاريخ للمرحوم والده بطـرس باشا غالي، واستطاعت الجماعة الوطنية بحكمة قادتها الحكماء أن تحتوي إنفلاتات مؤتمري أسيوط ومصر الجديدة ( مارس وأبريل 1911 )، أن تعبر الأزمة بسلام حفظا للأمة وحدة ومتانة نسيجها الوطني .
اللي الأوطان بتجمعهم
عمر الأديان ما تفرقهم !
من قرابة قرن، لحن سيد درويش وغني للناس : »‬ اللي الأوطان بتجمعهم عمر الأديان ما تفرقهم ! » .
  كان وراء سيد درويش جنود من الشعراء ومؤلفي الأغاني يصوغون هذه المعاني، ويحكي لنا الدكتور محمود الحفني أول لقاء بين سيد درويش وبديع خيري وكيف دار اللقاء الذي حضره معهما نجيب الريحاني المسيحي، حول مقطوعة بديع خيري : »‬ مصر والسودان » أو»‬ دنجا دنجا » التي فوجئ بديع بكلماتها تنساب بألحان سيد درويش .
   الوعي الذي فجر عبقرية سيد درويش ودفعه إلي صياغة لحن »‬ اللي الأوطان بتجمعهم عمر الأديان ما تفرقهم »، هوالذي جعل الشاعر إسماعيل صبري باشا يبادر فينشد في أعقاب اغتيال بطرس باشا غالي : دين عيسي فيكم ودين أخيه :أحمد يأمراننا بالإخاء . مصر أنتم ونحن إلاّ إذا :قامت بتفريقنا دواعي الشقـاء . مصر ملك لنا إذا ما تماسكنا : وإلاّ فمصر للغرباء !
التيقظ الفطن
هذا التيقظ الفطن، هوالذي كفل رعاية شجرة الوحدة الوطنية وحفظ لنسيجنا الوطني وحدته التي تجلت في ثورة 1919 وتجلت لاحقًا في معركة أكتوبر 1973، بل وفي 1967 ـ التي أصاب د. المسيري حينما أسبغ عليها »‬ انتشار 1967» ـ الذي عانت منه إسرائيل، ولم تحقق بعده سوي إخفاقات متتالية لا تزال تتري حتي الآن رغم جلبة الأسلحة وحرب الدمار الجارية !
    من المهم جدًا أن يتجرد المثفقون والمفكرون من المسلمين والأقباط لرعاية شجرة الوحدة الوطنية، رعاية متيقظة متفطنة موصولة، تخرج من زقاق الرؤية المتعصبة أوالمعالجات المتقطعة، إلي رحابة الرؤية الشاملة المتبصرة التي تحتاج إلي التأمل وفطنة البحث والتنبه إلي الأخطار المحدقة بنا، وإثراء ثقافة المواطنة التي عشنا عليها : الدين لله، والوطن للجميع .. إن أحدًا لن يستطيع تغيير ديانة أحد، ولا أن يعاكس إرادة الله الذي خلقنا ـ سبحانه ـ مختلفين، وأخبر أن الاختلاف من سنن الحياة، وأن الإخاء هودستور الإنسانية، وأننا جميعًا إلي خلقة الله، الذي شاءت حكمته أن يخلقنا من نفس واحدة، وأن يخلق منها زوجها، ولتتعاقب الأجيال التي لا عصمة لأحد فيها إلاَّ عمله وتقواه، فيقول عز وجل في خطاب إلي الناس كافة، لا إلي المسلمين خاصة : »‬ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَي وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ » .   
الصفحة المشرقة
 شهدت مصر بمسلميها وأقباطها، الفرحة الصادقة التي عمت ربوعها وشعبها ليلة عيد الميلاد المجيد، الذي افتتحت فيه كاتدرائية »‬ ميلاد المسيح » بالعاصمة الإدارية الجديدة، التي تولت الدولة إقامتها بجهودها ومن ميزانيتها، وشارك الرئيس في افتتاحها مع البابا، وهنأ الإخوة المسيحيين بالعيد المجيد .
  هذا هوالمعدن الحقيقي لمصر، يتجاوز كل التحديات ليحفظ لها وحدة نسيجها الوطني .. ولتكون واحةً وأمانًا لجميع المصريين .  

عدد المشاهدات 1128

الكلمات المتعلقة :