فكر وجدل

في أروقة السياسة

ديموقراطية اتخاذ القرار في المنظومة العسكرية


  د. سمير فرج
2/9/2018 8:45:45 PM

كثيراً ما يخطئ البعض عندما يظن أن المؤسسة العسكرية، في أي دولة، تتبع منظومة مباشرة لاتخاذ القرار، بالاعتماد علي القرار الذي يتخذه القائد بصفته، ودون النظر لاعتبارات أخري ... بل أن البعض يذهب لتصور أنها دكتاتورية لاتخاذ القرار. في حين أن الواقع يختلف تماماً عن تلك التصورات، إذ أن منظومة اتخاد القرار، في أي مؤسسة عسكرية، سواء الجيوش التابعة للفكر الغربي، مثل دول حلف الناتو، أوالجيوش التابعة للعقيدة الشرقية، مثل دول حلف وارسوالسابق، ومصر، تتبع نفس المنهج الديموقراطي، ولن يصل أي قائد عسكري لقرار، إلا من خلال الممارسة الديمقراطية، بالاستماع إلي مرؤوسيه.
وأؤكد علي هذا المنهج في العقيدتين، حيث في مدارسهما، سواء الشرقية في مصر، في كلية القادة والأركان المصرية وكلية الحرب العليا في اكاديمية ناصر العسكرية علي جميع المستويات التكتيكية والتعبوية (مستوي الجيش الميداني) والمستوي الاستراتيجي (التخطيط الاستراتيجي علي مستوي الدولة)، أوفي المدرسة الغربية، في كلية كمبرلي الملكية بانجلترا، وهي أعلي، وأقدم، وأعرق كلية عسكرية في العالم تدرس مفاهيم الاستراتيجية والأمن القومي علي كل المستويات التكتيكية والاستراتيجية.
وعندما نتناول أسلوب اتخاذ القرار في أي منظومة عسكرية، علي أي مستوي، سواء الكتيبة، أواللواء، أوحتي الجيش الميداني، أوالفيلق، نجد انها واحدة في كل المدارس والعقائد العسكرية، فأي قائد تتبعه هيئة قيادة، تماماً مثلما يتبع رؤساء الحكومات وزراء مختصون، ومثلما يكون لأي رئيس مؤسسة، خاصة أوعامة، نواب أومساعدون.
فإن القائد العسكري، عندما يتسلم مهمة معينة، يبدأ في دراستها، فيما هومعروف عسكرياً باسم "عملية تفهم المهمة"، ليبدأ، بعدها، في توزيع هذه المهمة للمرؤوسين، أوكما يطلق عليها "هيئة القيادة" ... فهذا قائد المدفعية يدرس كيفية تنفيذ وحدات المدفعية للمهمة ... وهذا رئيس الاستطلاع الذي يدرس رد فعل العدوعند تنفيذ المهمة ... وهذا رئيس المهندسين يتولي جزءا آخر من المهمة ... ويصل عدد أعضاء "هيئة القيادة"، في بعض الأحيان، إلي 15 قائدا، من مختلف التخصصات. وبعد دراسة هيئة القيادة، كل في تخصصه، للمهمة الموكلة إليهم، يتلقي القائد التقارير المتخصصة، ويجتمع بأعضاء هيئة القيادة، للاستماع لتفاصيل تقاريرهم، والذي ينتهي كل واحد منهم برأي صاحبه في تنفيذ هذه المهمة، علماً بأن رأيه أومقترحه يكون مبنياً علي الإمكانات المتاحة له، ولا علاقة له بالآخرين ... فالكل يدرس ويقترح حسب إمكاناته ورؤيته لكيفية تنفيذ المهمة.
وهكذا نري من الوهلة الأولي أن القائد لا يتخذ القرار، إلا بعد توزيع المهمة علي مرؤوسيه، والاستماع لوجهات نظرهم جميعاً، كل فيما يخصه. يلي تلك المرحلة، أن يستمع القائد إلي ملخص من نائبه، عن كل ما ورد في التقارير الفرعية، مضافاً نقاط الاختلاف والتعارض بين ما ذكر في التقارير الفرعية لأعضاء هيئة القيادة. هذا ما يحدث في جيوش العالم قبل اتخاذ أي قرار، وحتي صدوره. وبعد إصدار القرار، تصدر التعليمات التنفيذية له، وتطلق عليه القوات المسلحة "أمر القتال" ... وبصدور أمر القتال، يكون علي الجميع التنفيذ، دون اعتراض أونقاش، وهوما نعرّفه بتعبير "ديموقراطية اتخاذ القرار ... وديكتاتورية تنفيذ القرار".
ولتوضيح المعني لغير العسكريين، افترض، مثلاً، أن الخطة تقتضي الهجوم بثلاث قوات كل منهما في اتجاهه ... فهل من المعقول أن يقرر أحد هؤلاء القادة الثلاثة، عدم تنفيذ الهجوم في اتجاهه، لأنه يري أن الهجوم لن ينجح؟ وقد يكون رأيه سليماً، من وجهة نظره، ولكن من وجهة نظر الخطة الشاملة، فإن ذلك الهجوم مطلوب في هذا الاتجاه، بالرغم من علم القيادة المسبق بأن احتمالات نجاحه ضئيلة، ولكن الهدف الحقيقي منه يكون استراتيجياً، مثل إشغال العدو... لذلك هنا تكون ديكتاتورية تنفيذ القرار، لذلك من غير المسموح لأي قيادة مناقشة القرار العسكري فور صدوره، أوبمعني أصح صدور أمر القتال، الذي يعد قانونا لا يجوز المساس به.
مثال آخر، قد يري قائد الدبابات أنه من الصعب عمل الدبابات في اتجاه ما نظراً لصعوبة الأرض، ويري قائد المهندسين أن كمية الألغام التي زرعها العدو في هذا الاتجاه، تستلزم وقتاً أطول لعمل قواته، وهناك رأي المدفعية، وهناك رأي الاستطلاع ... فيجد القائد نفسه أمام سلسلة من التقارير، والآراء كلها موضوعية وتهدف إلي الصالح، بما يمكنه أن يصدر القرار كاملاً، متفهماً لكل المصاعب، ومحققاً لكل اقتراحات هيئه القيادة.
وبهذا يكون واضحاً للجميع، أن أي قائد عسكري قد تعلم، منذ انضمامه للمؤسسة العسكرية، ديموقراطية اتخاذ القرار، بالاستماع إلي مستشاريه، ومناقشة وجهة نظر كل منهم، قبل إصدار قراره. وتتميز العقيدة الغربية، في دول حلف الناتو، بأن النائب يقدم لقائده تقريراً يشمل طرق الحل المفتوحة، بمعني انه يقدم أكثر من بديل للخطة أوالقرار؛ فيقدم، مثلاً، البديل الأول، مدعوماً بتحليل شامل لمميزاته وعيوبه، وهكذا بالنسبة لباقي البدائل المطروحة، وهنا تبرز مهارة القائد، في اختيار أحد تلك البدائل، التي ترجح فيه كفة المميزات، علي كفة العيوب، في ظل رؤيته القائمة علي الخبرات المتراكمة. وفي مرحلة أخيرة، يعرض القائد اختياره علي هيئة القيادة، لمناقشة أخيرة بشأنه، بعد شرح رؤيته وأسباب اختياره لذلك البديل، وبعد تلك المناقشة يصدر القرار ... فهل رأي منكم شكلاً أروع من ذلك للممارسة الديمقراطية.
وأرجو، في النهاية، أن أكون قد أوضحت مفهوم الديموقراطية في اتخاذ القرار أوإعداد الخطة، وديكتاتورية التنفيذ، والذي نعتبره دستور العسكريين في اتخاذ القرارات. 

عدد المشاهدات 970

الكلمات المتعلقة :