فكر وجدل

مدارات

الترجمة بين التنوير والإبداع » 2 ـ 2 «


  رجائي عطية
2/9/2018 8:53:41 PM

كانت حركة الترجمة علي قدم وساق فى الستينيات والسبعينيات قبـل أن تدخل مؤسساتنا الثقافية بثقلها هذا المضمار، وقبل تشكيل المركز القومى للترجمة الذى اختارت وزارة الثقافة لتأسيسه الأديب الناقد الكبير الدكتور جابر عصفور صاحب الحضور اللافت والنشاط الكبير فى حياتنا الثقافية.
  كان الدكتور لويس عوض، أحد الفرسان الكبار وأعلام التنوير الذين ضربوا بمعاولهم عن علم وفهم واستنارة ـ فى مضمار الترجمة. فهو فضلاً عن كونه أستاذ اللغة الإنجليزية القدير، فإنه من كوكبة الموسوعيين الذين انفتحوا على الفكر الإنسانى بعامة، وعلى منابع الأدب والثقافة العالمية فى كل باب، وانعكس ذلك فى إنتاج غزير، أخذت الترجمـة نصيبًا كبيرًا منه، فترجم: » فن الشعر « لهوراس، و« بروثيوس طليقًا » للشاعر شلى، و«صورة دوريان جراى » و« شبح كانترفيل » لأوسكار وايلد، وثلاثية أوريست لأسخيلوس: « أجا ممنون » و« حاملات القرابين » و« الصافحـات »، و« خـاب سعى العشـاق » لشكسبير.. لم يقتصر عطاء الدكتور لويس عوض على الترجمات التقليدية، وإنما نقل أيضا لقراء العربية حصاد مشاهداته الحية فى رحلاته نصف السنوية التى كان الأهـرام يوفده فيها إلى أوروبا لمشاهدة أحدث ما يقدم على مسارح انجلترا وفرنسا، ويتابع عن قرب تطورات الاتجاهات الفكرية والأدبية والفلسفية، فكانت مقالاته سنة 1969 التى جمعت فى كتابه: « الفنون والجنون فى أوروبا 1969 »ـ (كتاب الهلال ـ يناير 1970).. ضم آخر تطورات الحركة المسرحية ومشاهداته لزهاء خمس عشرة مسرحية فى مسارح لندن وباريس، وعرض فيه أيضاً دراسته لثورة الشباب الأوروبـى والأمريكى التى تبلورت آنذاك فيما سمى حركة « الهيبز » وما نبع عن هذه الحركـة من سلوك وفن وفكر. من هذه الصور الحية ـ مشاهداته عام 1964 للمهرجان والاحتفالات التى أقيمت فى « ستراتفورد » مسقط رأس شكسبير وفى إنجلترا بعامة بمناسبة مرور أربعمائة سنة على مولده، وتابع فى مقالاته التى نشرت آنذاك فى الأهرام وجمعت فى كتابه « البحث عن شكسبير » ( كتاب الهلال ـ فبراير1965 ) حصاد متابعاته ومشاهداته للحركة المسرحية عبر هذه الاحتفالات فى كل من إنجلترا وفرنسا، كما عالج فيه أهم القضايا الشكسبيرية وأسرار حياة هذا العبقرى وفنه.. وقدم فى كتابه:« رحلة الشرق والغرب » (اقرأ العدد 354 ـ يونية 1972) حصاد مشاهداته ومتابعاته فى رحلته الروسية واليوغوسلافيـة (أغسطس 1970)، ورحلته الأمريكية (أكتوبر 1971)، والأوروبية (فبراير 1972).. بهذا التمكن الذى أتاح له هذه المتابعة الحية، عالج فى كتابه الضخم « المسرح العالمى » أهم المسرحيات العالمية منذ أيام الإغريق لأسخيلوس وسوفوكليس، عبورًا بمسرحيات آرثر ميللر ومسرحيات راسين وأبسن وأوسكار وايلد وبرنارد شو وجوركى وبيراندلو ويوجين أونيل وتنيسى وليامز وشكسبير الذى خصه بدراسات أوسع، والتأم هذا العطاء الضخم المتميز بما كتبه:«فى الأدب الإنجليزى الحديث»، وفى « دراسات فى النظم والمذاهب »، وفى كتابه الأخير الضافى عن «الثورة الفرنسية». كان الدكتور عوض جامعة شاملة يسر لقراء العربية ـ بإنتاجه المتميز الغزير ـ مساحة هائلة فى دراسة المسرح والرواية والنقد والآداب بعامة، وظل على مدار نصف قرن لا يكل عن تقديم كل جديد متميز فتح به نوافذ بالغة الأهمية والخصوبة على آخر إنتاج العالم فى الفن والمسرح والفكر والرواية والمذاهب السياسية والحركات الفلسفية .
لا بـد من المزيد
   أخشى أنه برغم الجهود الفردية الثرية، كالتى يقدمها فى عراضة وعمق العلامة الجليل الدكتور محمد عنانى الذى ترجم معظم أعمال شكسبير وأعمال لميلتون وبايرون وأليكس هيلى، ودرر المفكـر العربى الأصل إدوارد سعيد: « الاستشراق »، و« المثقف والسلطة » و« تغطية الإسلام ».. ورغم الاهتمام المتزايد للمجلس الأعلى للثقافة بالترجمة، والملتقيات الدولية التى يعقدها تباعاً وينشر بحوثها، وقد أفدت إفادة جمة مـن ملتقى الترجمة ومجتمع المعرفة الذى حضرته أكثر من مرة منذ فبراير 2006 ـ إلاّ أننا لا نزال نحتاج إلى الدور المتميز الذى كان يؤديه الدكتور لويس عوض بنقل متابعاته ومشاهداته الحية برحلاته التى كان يعود منها عامر الوفاض بدررٍ، ما أحوجنا أن نواصل الإطلال عليها فى زمـن صارت الترجمة بابًا لا غناء عنه للإلمام بما يموج به العالم من جديد فى كل باب !
حيوات متعددة
   لقد أصاب الأستاذ العقاد حين قال إن اطلاعاته وقراءاته التى ضرب فيها فى كل باب، قد جعلته يعيش حيواتٍ أخرى فضلاً عن حياته، وظنى أن هذا صحيح، وتشير صحته وصوابه إلى أهمية الترجمة إلى العربية التى تتيح لنا الانفتاح على العالم ومعارفه وثقافاته وأفكاره وحضارته.. وهذا التنوع بالغ الأهمية ليس فقط للتثقيف وتكثيف الفكر والآداب، وإنما هو يضيف أيضًا انفتاحًا عقليًّا يثمر ثمرات ربما غير مرئية فى تكوين الشخصية وتنوعات روافدها بما ينعكس على أساليب التفكير والتعامل مع الحياة.
   وظنى أيضًا أنه غير صحيح ما يظنه البعض من أن الانفتاح على الغرب تغريب يهدد ثقافتنا وموروثاتنا. إن الغرب نفسه استمد كثيرًا من الحضارة العربية الإسلامية فى العصر الوسيط، ثم انطلق منها إلى بعث حضارته التى لم يعقها أنها أطلّت واستمدت من الحضارة العربية، ورأينا ولا نزال نرى إقبال المستشرقين من كل الجنسيات فيما سُمى حركة الاستشراق للإطلال على ثقافات الشرق والتمعن فيها وفى جذورها واستشراف آفاقها، دون أن ينعى أحد فى الغرب على المستشرقين أنهم بالاستشراق يديرون ظهورهم للثقافة وللحضارة الغربية.
لا خطر على الهوية
   لقد انفتح الدكتور طه حسين على ثقافة الغرب وثقافة الإغريق، وأجاد الفرنسية كأهلها، ولكنه كان فى ذات الوقت عميد الأدب العربى ! هل تغيرت هوية الأعلام الذين ذكرتُ لك بعضهم كالعقاد ويحيى حقى وإبراهيم عبد القادر المازنى، ومحمد حسين هيكل ومن لحق بهم ؟! هل تغيرت هوية هؤلاء لأنهم أتقنوا لغات أجنبية وترجموا إلى العربية كثيرًا من الدرر النفيسة التى أطلّوا عليها فى فكر وأدب الغرب ؟! أليس الأستاذ العقاد والدكتور محمد حسين هيكل من وضَعَا الدرر فى الفكر والأدب العربى، وفى التاريخ الإسلامى والثقافة الإسلامية ؟! ألم تنعكس ثقافتهم العريضة فى أعمالهم ؟! هل هناك كتاب فى السيرة بلغت طبعاته نحو المائة طبعة التى بلغها كتاب « حياة محمد » للدكتور محمد حسين هيكل الذى قدم عملاً جليلاً فى هذا الكتاب الذى كتبه بالعقلية المتفتحة والثقافة العريضة التى دانت له من الإطلاع على الفكر والأدب الغربى بالإضافة إلى ثقافته العربية ؟!
   إن الدكتور هيكل الذى كتب حياة محمد والفاروق عمر والصدّيق أبى بكر وعثمان وفى منزل الوحى، هو الذى كتب عن جان جاك روسو، وتراجم من الشرق والغرب، ورواية زينب، ويوميات فى باريس. والأستاذ العقاد الذى كتب عبقرية محمد وعبقرية عمر وعبقرية الإمام وعبقرية خالد وذى النورين عثمان والعشرات من التراجم الإسلامية، وأكثر من عشرين كتابًا فى الإسلاميات، هو الذى كتب عن شوبنهور وعن المهاتما غاندى وعن بيكون وعن شكسبير وبرناردشو، وعن بنجامين فرانكلين، وعن عمانويل كانت وأناتول فرانس وجيتى وغيرهم من أعلام الفكر والأدب الغربى، فهل غيرت اطلالاته تلك هويته وصار صريعًا للتغريب ؟!
   لم يصادفنى متعصب أو متطرف من الذين تفتحت عقولهم على موارد الاستنارة ينشدونها فى كل باب.. وإنما جاء التعصب ويجىء من انغلاق العقول والانكفاء والاستسلام لكتب صفراء وملصقات ليست من الدين، ومن الخروج خارج العصر ومعطياته وحضاراته.
عود على بدء
    إن الترجمة إلى العربية باب رحب للانفتاح على فكر العالم وآدابه، مثلما أن الترجمة من العربية إلى غيرها انتشار لمعطيات الفكر والأدب العربى وتقديم أعلامه إلى العالم، مثلما رأينا فى ترجمات أعمال توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهما إلى أكثر من لغة من لغات العالم، فصار لهؤلاء الأعلام مكانة عالمية يبدو أثرها فى تقدير العالم للفكر والأدب العربى، وهو الرافد الحقيقى الذى يعبّر عنّا وعن معطيات وحقيقة حضارتنا، ويقدمنا إلى العالم بوجهنا الحقيقى الصبوح .

عدد المشاهدات 1027

الكلمات المتعلقة :