فكر وجدل

في أروقة السياسة

نظرة حول كتاب التوازن العسكري «The Military Balance»


د. سمير فرج

  د. سمير فرج
3/9/2018 7:35:57 PM

يخرج علينا، كل عام، المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية   The International Institute for Strategic Studies (IISS)، في لندن، بإصداره السنوي، المتميز، “The Military Balance” أو "التوازن العسكري"، والذي يعتبر، في يومنا هذا، هو المرجع الرئيسي لكل الدول، وجميع القوات العسكرية، والاستخباراتية، والمعلوماتية في العالم.
يرجع تاريخ هذا الإصدار إلي أكثر من 50 عاماً، تحديداً في عام 1958، مما أكسبه مصداقية دولية، وأصبح دليلاً لكل المفكرين الاستراتيجيين، والمحللين العسكريين، والباحثين في شئون الأمن القومي حول العالم ... بل وصار تاريخ إصداره في فبراير من كل عام، حدثاً دولياً، ينتظره، بشغف، المعنيون بمحتواه، للتعرف علي الجديد في الترسانات العسكرية في العالم، حيث يصنف، هذا التقرير، جميع دول العالم، بدءاً من الولايات المتحدة الأمريكية كأكبر قوة عسكرية في العالم، وحتي مملكة بوتان كأصغر تلك القوي العسكرية.
وفي الستينيات من القرن الماضي، كنا نترقب صدور هذا المرجع، لنتعرف من خلاله علي صور وإمكانات الأسلحة والمعدات الحديثة في الترسانة العسكرية الجديدة في العالم، والتي كانت تُصنف، حينئذ، كأحد الأسرار العسكرية، أما الآن، ومع تطور وسائل الاتصال، التي حولت العالم إلي قرية صغيرة، أصبحت هذه المعلومات، عن الأسلحة والمعدات، متاحة للجميع، بل وصار هناك مواعيد ثابتة علي أجندة المعارض الدولية، لمعارض الأسلحة، وتسابقت الدول لاستضافة هذه التجمعات العالمية علي أراضيها.
علي مدار السنوات الماضية، تطور مفهوم، هذا الإصدار، ليرتقي إلي مستوي المعلومات العلمية المتكاملة عن كل دولة من دول العالم. ويتناول، هذا المرجع، أهم دول العالم من خلال تقسيمها إلي 7 مناطق رئيسية، وهي أمريكا الشمالية، ثم أوروبا، ثم مجموعة دول روسيا ودول روسيا الآسيوية، يليها مجموعة دول آسيا، ثم مجموعة دول الشرق الأوسط  وشمال أفريقيا، ومجموعة دول أمريكا اللاتينية الكاريبيان، وأخيراً مجموعة دول صحاري أفريقيا. كما يحتوي الكتاب علي العديد من الخرائط التي توضح توزيع القواعد العسكرية التابعة لمختلف الدول والأحلاف. فضلاً عن تناوله للصناعات العسكرية في العالم،  والتطور الذي لحق بها، والتطور المنتظر، لهذه الصناعات، في الأعوام القادمة. ولمواكبة الأحداث العسكرية في العصر الحديث، خصص "التوازن العسكري"، ملفاً خاصاً عن الإرهاب، وقوات مكافحة الإرهاب والشغب، كما يخصص فصلاً كاملاً عن التغيرات في استراتيجيات بعض الدول والأسباب وراء تغيير تلك الاستراتيجيات.
ولقد تطرق، هذا التقرير، مؤخراً، في فصل كامل منه، إلي مبيعات السلاح في العالم كله، وجاءت الولايات المتحدة الأمريكية، بالطبع، كأولي الدول المصدرة للسلاح، يليها روسيا. ثم بدا في الأفق، بعض الدول الناشئة في مجال التصنيع الحربي، مثل دولة جنوب أفريقيا التي صنعت العربات المدرعة الخفيفة لقوات فض الشغب، وأصبحت مصدراً لمبيعات محدودة نسبياً. كذلك إسرائيل التي دخلت مجال التطوير التكنولوجي للأسلحة، فكان أبرز الأمثلة، تطوير بعض التقنيات في الطائرة المقاتلة (F-16)، الأمريكية الصنع، ونجحت في تحقيق مبيعات عالية لمعظم الدول التي تمتلك ذلك الطراز ضمن أسطول قواتها الجوية. أما أكثر الدول المستوردة للسلاح في العالم، فقد جاءت المملكة العربية السعودية علي رأس تلك القائمة في منطقة الشرق الأوسط، وكانت قطر من الدول اللافتة للنظر من حيث حجم استيراد الأسلحة نسبة إلي مساحتها، وعدد سكانها، وقواتها المسلحة.
كما أفرد التقرير، كذلك، فصلاً كاملاً عن القوات العسكرية العاملة علي دعم السلام، تحت راية الأمم المتحدة، حول العالم، مع التركيز علي قارة أفريقيا، وقسماً خاصاً حول حلف الناتو، من حيث أعداد القوات العسكرية، وتمركزها  القوات، وتسليحها، فضلاً عن مرايات الصواريخ المستخدمة. وإذا تصفحنا ملف مصر وملف  إسرائيل، تجد أن التقرير قد تعمد أن يتم تحليلهما من خلال نفس التقسيم والعوامل، ليخرج الملفان وكأن مقارنة قد عُقدت بينهما، وهو ما تم كذلك مع ملفي الهند وباكستان.
وبالرغم مما يحظي به هذا المرجع من مصداقية كبيرة في مجال العلوم الاستراتيجية، والأمن القومي، إلا أنه تعرض إلي هزة كبيرة، عام 1973، بعد انتصار مصر في حرب أكتوبر المجيدة؛ إذ كان تقريره السنوي قد صدر في بداية عام 1973، مؤكداً علي أن التفوق الكمي والنوعي للجيش الإسرائيلي، سيحول ضد أي محاولة عسكرية من العرب ضده، وفي حال قيام العرب بأي "مغامرة" عسكرية، فستكون الهزيمة من نصيبهم. وما هي إلا شهور، واندلعت الحرب بين مصر وإسرائيل، وحققت القوات المصرية نصراً عظيماً، كان، ولازال، درساً للباحثين في الشئون العسكرية. ونتيجة لذلك، فقد تأخر إصدار تقرير "التوازن العسكري" لعام 1974، لمدة 6 أشهر عن موعد إصداره الأصلي، في محاولة لإعادة تقييم القدرات العسكرية للدول، وتحليل سبب الخلل في المرجع السابق. وفي نهاية فترة الدراسة، توصل الخبراء القائمون علي إصدار هذا التقرير، إلي أن المصريين قد حققوا انتصارهم اعتماداً علي الروح المعنوية العالية بين صفوف قواتهم، التي تفوقت علي حاجز التفوق الكمي والنوعي لقوات عدوهم. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح عامل الروح المعنوية للجندي المقاتل، أحد أهم عوامل قياس القوة النسبية للقوات المسلحة حول العالم، وهو ما يرجع الفضل إلي إضافته للجندي المصري!

عدد المشاهدات 156

الكلمات المتعلقة :