فكر وجدل

في أروقة السياسة

سباق التسليح في العالم ... إلي أين؟


د. سمير فرج

  د. سمير فرج
5/11/2018 8:28:50 PM

مع تزايد تركز الثروات في العالم في مناطق محدودة، ومع تزايد الفقر في مناطق أخري، كثرت الأطماع بين الدول، وأصبح هناك دول كثيرة تبحث عن القوة والسلاح لحماية أرضها وثرواتها واستثماراتها، في حين تبحث دول أخري عن القوة للاستيلاء علي حقوق ومقدرات غيرها، ولعل أبسط الأمثلة علي ذلك، هوما تفعله إيران، حالياً، لتقوية قدراتها الهجومية والعسكرية في منطقة الشرق الأوسط، بما يخدم أغراضها الطمعية في الاستيلاء علي ثروات الدول النفطية المجاورة لها، بما يمكنها من استعادة أمجاد الإمبراطورية الفارسية القديمة في المنطقة كقوة عظمي.
وانطلاقاً من تلك الاستراتيجية، بدأت إيران، منذ سنوات، في العمل نحوامتلاك السلاح النووي، علاوة علي رفع كفاءة الأسلحة التقليدية، وأبسط مثال علي ذلك، إتمامها لصفقة شراء نظام كامل من الصواريخ (SS300) السوفيتية، والذي من المقرر اكتماله بنهاية عام 2018، ليوفر لها الحماية الكاملة ضد أية هجمات عسكرية، من دول معادية، لتدمير مفاعل بوشهر أوتدمير القوة الاقتصادية والبنية التحتية الإيرانية. وعلي الجانب المقابل، اندفعت دول الخليج في شراء كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات، حتي وصلت لأن تكون المملكة العربية السعودية، أكبر مستورد للسلاح في العالم، يليها قطر، ثم الإمارات، وبعدهم باقي دول الخليج.
وفي الجانب الآخر، أصبحت الهند أكبر ثاني مستورد للسلاح في العالم بعد المملكة العربية السعودية، علي أساس امتلاك القوة للأسلحة التقليدية أمام عدوها الرئيسي، باكستان، في ظل امتلاك كلتا الدولتين للسلاح النووي، مما يحول دون استخدام أي منهما له، أمام عدوتها الأخري، لذلك عاد كلاهما إلي الأسلحة التقليدية. وفي جزء آخر من العالم، تري تركيا واليونان، وبالرغم من عضويتهما معاً في حلف واحد، هوالناتو، فإن تركيا تعمل جاهدة، الآن، خاصة بعد ظهور الغاز في البحر المتوسط، علي زيادة قوتها العسكرية التقليدية أمام جيرانها، والتدخل بعمل عسكري في المنطقة تحت زعم الحفاظ علي مصالح قبرص التركية.
وتؤكد التقارير الصادرة عن أكبر مراكز الدراسات الاستراتيجية العالمية، أن مصر، أيضاً، تعمل بنجاح علي تقوية وزيادة ورفع كفاءة قدراتها القتالية، علي ثلاثة محاور؛ أولها منطقة البحر الأحمر، في ظل وجود تهديدات جديدة في منطقة باب المندب، مما يدفع مصر للعمل علي تأمين المجري الملاحي للبحر الأحمر من باب المندب وحتي قناة السويس، وما يمثله ذلك لتأمين ثلث الدخل القومي لمصر، الناتج عن هذا الشريان الملاحي الحيوي. وثانيها منطقة حوض نهر النيل، الممثل لعصب الحياة في مصر، فقامت مؤخراً، بإتمام صفقة لشراء طائرات الرافال المقاتلة، التي يصل مداها حتي منطقة منابع نهر النيل. وأخيراً، وليس آخراً، منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط، الذي عززت مصر قدراتها القتالية فيه، لتؤمن استثماراتها به، بعد اكتشاف الغاز في هذه المنطقة، وزيادة الأطماع الدولية، مع احتمالات أي تدخلات أجنبية لتهديد هذه الاستثمارات القومية من جهات عديدة، وهوما ظهرت بوادره، غير المباشرة، في التحرش التركي ضد الحفارات الإيطالية، العاملة في منطقة قبرص اليونانية، مما اضطر القوات المسلحة الإيطالية، للدفع بمدمرة بحرية، لتأمين عمل حفارات شركة إيني الإيطالية، في تلك المنطقة.
وهناك سباق للتسليح في بعض الدول للقضاء علي العناصر الإرهابية، حيث تعمل ليبيا، الآن، علي فك الحصار المفروض عليها، من الدول الغربية، لشراء الأسلحة والمعدات لقتال عناصر داعش الإرهابية المتمركزين علي أراضيها بعد فرار الكثير منهم من سوريا والعراق. كما تعمل المغرب علي التغيير النوعي في أسلحتها لصد الإرهاب هناك.
وعلي مستوي القمة، فتعكف الولايات المتحدة الأمريكية، حالياً، علي تحديث وتقوية أنظمتها القتالية، بعدما رفع الرئيس الأمريكي ترامب، ميزانية وزارة الدفاع إلي 700 مليار دولار، لتصبح أكبر ميزانية للدفاع في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بهدف الإبقاء علي تربع الولايات المتحدة الأمريكية علي قمة القوي العسكرية في العالم، وتأكيد التفوق علي غريمتها التقليدية روسيا، وريثة الاتحاد السوفيتي القديم. في تلك الأثناء، تعمل روسيا، هي الأخري، علي تقوية أنظمتها القتالية، بهدف تأمين أراضيها واستثماراتها، كما تعمل علي بيع إنتاجها الجديد من الأسلحة المتطورة، حيث نجحت في تطوير أنظمة الدفاع الجوي، لتصبح (SS300)، والنظام الجديد (SS400)، أقوي أنظمة العالم المضادة للطائرات، والصواريخ البلاستية، وقد باعت منها روسيا، بالفعل، إلي العديد من دول العالم، وحققت مكاسب كبيرة تساعدها علي تطوير هذه الأنظمة وباقي الأنظمة مستقبلاً.
وهكذا نجد أن العالم يسير الآن نحوتنمية القدرات القتالية، ولا ننسي إسرائيل، التي تعمل علي تطوير إمكاناتها العسكرية، بما يضمن لها التفوق العسكري علي جيرانها من الدول العربية، وفي ظل بزوغ العدوالجديد في المنطقة، وهي إيران، التي قاربت علي الوصول إلي امتلاك السلاح النووي، الذي سيمثل تهديداُ مباشراُ لأمن إسرائيل، فضلاً عما يمثله من تهديد لدول الخليج في المستقبل القريب.
إن سباق التسليح المحموم في مناطق الصراع في العالم، سوف يستمر، مادام هناك حزب الأشرار، وأحزاب أخري تتصدي للعدوان عليها، وأحزاب ثالثة تعمل علي تأجيج تلك الصراعات، لم تمثله من زيادة في حصيلة الأموال الناجمة عن تجارة هذه الأسلحة والمعدات.
ووفقاً للتصريحات، الأخيرة، للرئيس الأمريكي ترامب، فقد قام بزيادة ميزانية وزارة الدفاع الأمريكية، البنتاجون، إلي 700 مليار دولار، بهدف إجراء الأبحاث والاختبارات اللازمة لتطوير الأسلحة والمعدات، بما يجبر جميع الدول علي التسابق لامتلاك تلك الأسلحة الحديثة، وتبدأ دائرة جديدة من تجارة الأسلحة، ينتعش معها سباق التسليح، وهوالهدف من السياسة الأمريكية الجديدة، خاصة في منطقة الشرق الأوسط.

عدد المشاهدات 375

الكلمات المتعلقة :