فكر وجدل

في أروقة السياسة

لماذا أصبحت مصر دولة محورية؟


د. سمير فرج

  د. سمير فرج
9/7/2018 7:44:24 PM

تدور الأيام والسنوات، وتتغير الأحوال، سواء علي مستوي البشر، أو علي مستوي الدول. وفي هذه الأيام، استعادت مصر مكانتها، مرة أخري، لتكون أحد أهم الدول المحورية في المنطقة العربية، بل والشرق الأوسط بأكمله. ولعل أهم مؤشر لذلك، هو التغيير في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، في الشرق الأوسط، بعد وصول الرئيس ترامب إلي السلطة في البيت الأبيض، وظهر ذلك في تغير الموقف باعتبار إسرائيل ومصر والسعودية أهم دول الارتكاز للسياسة الأمريكية في المنطقة.
بعد سنوات من الاعتماد علي إسرائيل وقطر وتركيا، خلال عهد الرئيس السابق، باراك أوباما، الذي كان يعتبرهم نقاط ارتكاز سياسته في المنطقة، وهو ما يؤكد علي أن الرئيس ترامب، وأطقم معاونيه، قد أعادوا دراسة، وتقييم، الموقف في المنطقة، بما استدعي تعديل مسار السياسة الخارجية الأمريكية، في المنطقة، لتتمحور حول مصر والسعودية، بدلاً من تركيا وقطر.
والواقع أن الأسباب الحقيقية لذلك، تتمثل أولاً في تغير السياسة المصرية، خاصة تجاه المشاكل في المنطقة، وأبسط مثال علي ذلك هو وجهة النظر السياسية المصرية، تجاه الموقف في سوريا، والتي تؤكد احترام سيادة واستقلال سوريا، وعلي حق الشعب السوري في تقرير مصيره، دونما تدخلات خارجية، فلم تنحاز مصر إلي أي جانب، سواء الأمريكي أو الروسي أو حتي لبعض الدول العربية.
والسبب الثاني هو عودة مصر، مرة أخري، إلي أفريقيا وعودة أفريقيا إلي مصر، بعد انحسار دور مصر الريادي في القارة السمراء، منذ عهد الرئيس الأسبق عبد الناصر، وزيادة الفتور في العلاقات، بعد محاولة الاغتيال الفاشلة للرئيس الأسبق حسني مبارك، في أديس أبابا. ولتعديل ميزان العلاقات الثنائية مع الدول الأفريقية، كانت أول زيارة خارجية للرئيس السيسي، بعد توليه رئاسة الجمهورية، إلي غينيا الاستوائية، للمشاركة في مؤتمر القمة الأفريقي، ومنها إلي السودان، وتلا ذلك زيارته إلي الجزائر لتدعيم العلاقات القوية معها.
أما ثالث الأسباب، فهو تنامي قوة مصر العسكرية، وتحديداً القوة الدفاعية، حيث تصنف مصر في المركز العاشر، عالمياً، ولا تتراجع عن المركز الثاني عشر، في ترتيب القوة العسكرية. وتأتي هذه القوة لحماية استثماراتها في المنطقة، سواء في باب المندب، أو في البحر الأبيض المتوسط، كذلك لحماية حدودها واتجاهاتها الاستراتيجية، والتصدي للعمليات الإرهابية. وطبقاً لمفاهيم العلوم الاستراتيجية، فإن القوة العسكرية تعد إحدي قياسات قوة الدولة الشاملة.
ويتمثل السبب الرابع في خروج مصر من أزمة، ما يعرف باسم "الربيع العربي"، أو بالأحري "الخريف العربي"، وهي محافظة علي تماسكها ووحدتها واستقلالها، بفضل قوة جيشها وصلابة شعبها، رغم ما شهدته جميع الدول المحيطة، ممن طالتهم نفس الأحداث، وبسقوط كل تلك الدول، مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا، وانهيار أنظمتها وقواها العسكرية، بقت مصر القوة الوحيدة التي تعتمد عليها المنطقة في تحقيق استقرارها، وصارت عمودها الفقري.
أما العنصر الخامس، فهو سعي معظم دول الاتحاد الأوروبي، لتوطيد علاقتهم الثنائية مع مصر، وأولهم فرنسا، التي تتباحث وتتشاور مع مصر في كافة المسائل الدولية، وأهمهم ليبيا. كذلك ألمانيا، وحتي إيطاليا، رغم غيوم مشكلة ريجيني، إلا أن العلاقات القوية، مازالت تحكم مصالح الدولتين، خصوصاً في البحر المتوسط، وليبيا. ومن ناحية روسيا، فقد استطاعت مصر، ببراعة وذكاء، في الاقتراب من روسيا، وعقد صفقات تجارية وعسكرية معها، دونما أن تتأثر، سلباً، علاقتها بالولايات المتحدة الأمريكية، بل حافظت مصر علي توازن علاقتها بكلا القوتين. وعلي المستوي الصيني، فإن زيارة الرئيس السيسي إلي الصين، وتوقيع عدة اتفاقات، منحت مصر قوة في علاقاتها مع كبري القوي الاقتصادية القادمة في العالم.
وسادساً فإن علاقة مصر مع الدول العربية، التي تتسم بالتوازن والتعاون، وعلي الأخص مع دول مجلس التعاون الخليجي، عدا قطر التي تغرد حالياً خارج السرب العربي. ونتذكر جميعاً رفض مجلس التعاون الخليجي، في يوم من الأيام، طلب مصر باعتبار قطر دولة داعمة للإرهاب، وكيف تحول الموقف اليوم، لتأييد موقف مصر ضد قطر. كما أن اشتراك مصر في قوات التحالف العربي ضد الحوثيين في اليمن، زاد من صلابة الموقف المصري، واقترابه تماماً من دول الخليج العربي.
أما سابع أسباب تغير السياسة الأمريكية في المنطقة لصالح مصر، فكان نتيجة لتبني مصر برنامجاً للإصلاح الاقتصادي، من شأنه معالجة الخلل الاقتصادي الذي عاشته طوال 40 عاماً. وتعتبر القوة الاقتصادية، أحد مقاييس قوة الدولة الشاملة، بجانب القوة العسكرية، طبقاً للمفاهيم الاستراتيجية. ورغم قسوة القرارات الاقتصادية، الأخيرة، علي الأسرة المصرية، إلا أن الشعب المصري تحملها بصبر شديد، حتي تعبر بلاده أزمتها الاقتصادية. وفي هذا الإطار، تعمل مصر، حالياً، علي استقرار الأوضاع في ليبيا، لما له من تأثير قوي علي الأمن الداخلي في مصر، فضلاً عن تأثيره علي الناحية الاقتصادية، بعودة العمالة المصرية، مرة أخري، إلي ليبيا، وما يمثله ذلك من دعم قوي للاقتصاد المصري.
ويأتي السبب الأخير في أن مصر أصبحت دولة محورية في المنطقة، هو استقرار الأوضاع الداخلية في مصر، ونجاحها في السيطرة علي الإرهاب، والتخلص من جماعة الإخوان الإرهابية، وبدء توجه مصر نحو التنمية البشرية، كما حددها الرئيس السيسي، في الاهتمام بالتعليم والصحة ثم الثقافة، وكلها عوامل هامة من قوي الدولة الشاملة، لكي تصبح مصر دولة قوية ليس فقط علي المستوي الخارجي، ولكن أيضاً علي المستوي الداخلي ... وبالتالي أصبحت دولة محورية في المنطقة.

عدد المشاهدات 137

الكلمات المتعلقة :