فكر وجدل

مدارات

الزمن الجميل !


رجائي عطية

  رجائي عطية
9/7/2018 7:46:17 PM

  تقترن ظاهرة النزوع إلي الماضي، بالترحم علي الزمن الجميل الذي ولي، والتأفف من الحاضر الذي فقد هذا الجمال، وصار في نظر النازعين إلي الماضي علي شيء غير قليل من الاجداب، ومن مظاهر الضيق والتعاسة، ونضوب المعين الذي تترعرع فيه القيم والمبادئ، وتزهو فيه الحياة كما كانت زاهية عطرة في ذلك الزمن الغابر القديم .
وربما بحكم العادة، يلوذ أطراف الحديث، إنهاءً أو اختتامًا له بهذا الترحم علي ما فات، والضيق بما هو كائن، وأنه كما لا محل للمقارنة، فإنه لا أمل أيضًا في إحياء ما فات !
فهل هذه الأحكام صحيحة ؟!
بين الماضي والحاضر
في الزمن الجميل الماضي، كان الخليفة هارون الرشيد، يقطع رحلة الحج علي الجمال، من العراق إلي مكة، في شهور، يلاقي فيها ـــ ناهيك بحاشيته ـــ لفح الشمس والقيظ في الصحراء ورجرجة الجمال، ووعثاء هذا السفر الطويل ..
فصارت رحلة الحج تقطع اليوم في ساعات بالطائرات . وكان المسافر من مكة إلي المدينة، أو العكس، يقطع المسافة في أيام، تحت وهج الشمس وقسوة الصحراء، وثنيات الجبال والوديان، ومشاق الركوب إن تهيأت الركائب، والترجل إن عزت .. وقد قطع النبي عليه السلام رحلة الهجرة من مكة إلي المدينة في أيام، عاني فيها من المشقة ما تروية كتب السيرة . هذه المسافة صرنا نقطعها بالطائرة في دقائق، وبالسيارات في ساعات قليلة، ونحن علي أكف الراحة وتكييف الهواء في الحالين .
كانت المعيشة ضنكًا، بين مناخ قاس لا يرحم، وطرق بدائية في التعامل معه لا تجدي حقيقة شيئًا، وقلة موارد الماء ومشقة الحصول عليه، وجفاف الزرع والضرع حتي تعرضت الجزيرة العربية إلي مجاعة هائلة فيما سمي عام الرمادة في السنة السابعة عشرة للهجرة . حتي قضاء الحاجة كان مشكلة، لا سبيل إليه إلاَّ في العراء المكشوف، وعلي نحو بدائي فيه من العناء ما لا يحتاج إلي بيان .. ولم يعز علي ذلك أحد من الكبار و أفذاذ ذلك الزمان ..
كان الراغب في الانتقال بين القارات، يركب أهوالاً برية وبحرية، ويتعرض في الرحلة ـــ كما تعرض كثيرون تحكي عنهم كتب التاريخ ــــ للنهب والسرقة .. حتي مخطوطات وكتب العلماء المرتحلين طلبًا للعلم أو بذلاً له، لم تنج من هذه القرصنة .. وكان غاية ما يحسب للحاكم أن يسعي لتأمين الطرق البرية من هذه المخاطر، أما البحرية فلا سبيل لتأمينها ..
كان البخاري ومسلم وأترابهما من علماء الحديث، يسافرون شهورا عبر الفيافي والقفار طلبًا لرواية أو توثيق حديث نبوي، بينما يستطاع اليوم العثور علي كل الأحاديث بإسنادها وصيغها عبر الانترنت في لحظات .. وكان طلب العلم مشكلة عويصة تنفق فيها السنين والأعوام، ذهابًا وإيابًا بين البلدان لسماع عالم، والتلقي عنه، ثم إلي غيره في بلد آخر، وهلم جرا .. علي ما في هذه الأسفار من مشاق وضياع الوقت الطويل في هذه الانتقالات وصولاً إلي شيخ أو عالم قد يجده الباحث أو لا يجده، وهو ينزل علي بلدة لا سكن له فيها ولا فندق للإقامة، ولا سبيل إلي إقامته إلاَّ أن يتعطف أحد باستضافته .. الدارس لسير العلماء والشيوخ والأدباء تطالعه صور كثيرة لهذه المعاناة الشديدة التي عاناها أسلافنا في ذلك الزمن .
ولا يري النازع حنينًا إلي الماضي ــ أن العالم برمته قد صار في حاضرنا المتأفف منه قرية صغيرة، تجري فيها الاتصالات السلكية واللاسلكية، والالكترونية، والفاكسات والإيميلات، فضلاً عن الاذاعات المرئية والمسموعة، فيتاح له في لحظات، ما كانت تنفق فيه الشهور والسنين في الزمن الغابر المتحسر عليه !
لا يري المترحمون علي الزمن الجميل، المتأففون من الحاضر غير الجميل ــ لا يرون القطارات، ولا السيارات، ولا الطائرات، ولا المناطيد، ولا كافة أجهزة الاتصالات السلكية واللاسلكية، الأرضية والفضائية، ونقل الصور بالراديو في لحظات من أقصي الأرض إلي أقصاها، ولا بلايين الكتب التي صارت في متناول الكافة، فمن عز عليه شراؤها وجدها في المكتبات العامة وعلي شبكات الانترنت . لا يرون المستشفيات والمنتجعات، ولا الرعاية الطبية التي كشفت مجاهيل، وعالجت مستعصيات، ولا ما صار يبذل بالمستشفيات المتخصصة للوالدة والمولود، ولا معدلات الأعمار التي زادت بالرعاية الصحية، ويستطيع القارئ أن يسترسل في هذه المقارنات ليري بلايين الأدلة التي تقطع بأن زماننا هو الزمن الجميل، وأن القادم بالقطع أجمل منه .
وليس في هذه الرؤية انتقاص لما كان، ولكنه كان ابن زمانه وظروفه وامكانياته، وكان فيه من المشاق والمعاناة ما صار الحاضر معفيًّا منه، حافلاً ببدائل جعلت الحياة أكثر جمالاً ويُسْرًا وعطاءً .
المتطرفون اللاعنون للحاضر
إلي جانب النوايا الحسنة التي يفوت عليها عناصر المقارنة الصحيحة، هناك المتطرفون اللاعنون للحاضر عنيةً وقصدًا .. لا يرون فيه إلاَّ القبح والسيئات، ولا يلمسون فيه أي مسحة من الجمال .
والغريب اللافت أن هؤلاء يعيشون علي انجازات هذه الحضارة الملعونة .. يقتنون الثلاجة الكهربائية والتلفاز، والمذياع، والتليفون، وأجهزة الأنترنت، ويسافرون بالسيارات والقطارات والطائرات، وينعمون بما لا يقع تحت حصر من هذه الإنجازات، ولكنهم لا يرونها، أو يرونها ملعونة، ولا يستنكفون مع هذه اللعنة من التمتع بها، حتي ما اعترض  عليه بعضهم من عدم جواز التدخل في المشيئة الإلهية بنجدة من يحتاج إلي بدائل عضوية لنجدته . فهذا اعتراض منهم علي حكم السماء، ولكنك تري هذا كله يتهاوي، ويلجأ المتنطع اللاعن إلي كل منجزات الطب والعلم الحديث، لإسعاف قلبه أو كبده أو قرنيته أو كليته إلي آخر ما سبق أن حلت عليه اللعنات .
ماذا يبقي ؟!
لا مراء في أن الماضي قد حفل بالأنبياء والرسل، وبالأفذاذ في العلم والأدب، والحكم والسياسة .
فأما النبوات فقد ختمت برسول الإسلام عليه الصلاة والسلام .
أما الأفذاذ، فإن البشرية لم تنقطع قط عن وجودهم فيها .. في العلم، وفي الطب، وفي الهندسة، وفي الفلسفة، والكيمياء، والطبيعة، والموسيقي والفنون بعامة . ولو أردنا إحصاء أمثلة منهم لاحتجنا إلي مجلدات .
أما ما ماج به التراث من مشاهد جميلة، فإنها بدورها كانت نبت زمانها وظروفها، ولا يصادرها الحاضر، ولم ينقطع عنها أو تنقطع عنه .. كل ما في الأمر أن الحاضر يتعامل مع التراث بقيم العقل، ويري أن العبرة في المغزي والمعني، وهما لا يتغيران، وليس بالصور والأشكال، وهذه متغيرة . لم يعد مقبولاً كل ما كان موضعًا للثناء بالزمن الماضي، ولم يعد مرفوضًا أو منتقدًا كل ما كان محلاً في السالف للرفض أو الانتقاد. فالحياة في صيرورة دائمة، والظروف بدورها متغيرة، فلم تعد القيمة في ركوب أتان أو النوم علي الثري تحت ظل شجرة، أو عمل الحاكم مكاتل بيده أو غسل ثوبه أو عجين أهل بيته . فهذه كلها صور معزوة إلي الزهد و العفة والطهر والاستكفاء، وهذه القيم موجودة حتي وإن تواري بعضها أحيانًا، ولكن صورها هي المتغيرة جارية في إطار مغزاها وحكمته وما تقتضيه ظروف العصر الذي نعيشه، وما سوف تقتضيه ظروف العصر الذي يلي عصرنا .
الماضي يحترم، ولكنه لا يعاش .
والحاضر غير مقدس، ولكنه ابن عصره .
والانسان ابن حاضره، يسترجع ماضيه، ويستشرف مستقبله .
أما الجمال فلم يكن مقصورًا علي الزمن الغابر .
زمننا جميل، ولكننا لا نري جماله ! 

عدد المشاهدات 68

الكلمات المتعلقة :