فكر وجدل

مدارات

عجائب ازدواجيات الغرب وزراعة جذور الإرهاب


رجائي عطية

  رجائي عطية
11/30/2018 7:33:44 PM

ترجع هذه الخواطر إلي نحواثنتي عشرة سنة، يوم قرأت في أهرام الثلاثاء 21/2/2006، خبرًا لحكم عجيب أوقعته إحدي محاكم النمسا، بسجن المؤرخ البريطاني الكبير »دافيد إيرفنج»‬ لثلاث سنوات، والتهمة أنه أنكر حصول »‬الهولوكوست».
 ولا شك في نشاز هذا الحكم اللافت، فالإنكار أوالإقرار محض رأي، هولمطلق تقدير صاحبه لا سيما إذا كان من مؤرخ في شأن تاريخي. لم يقد صاحبه تمردًا ولم يدع إلي ثورة ولم يهدد أويرفع سلاحًا، ومصادرة الرأي جريمة نكراء، وأشد منها نكرًا مصادرة العلم. ولذلك كان عجيبًا صدور هذا الحكم في الغرب المتنادي بالليبرالية وحرية الرأي وحرية البحث العلمي.
 ولا يشفع لهذا الشرود، أوقل الجنوح، أن يغضب إسرائيل صنيعة الغرب المدللة!
 علي أن هذا لم يكن كل ما في هذا الحكم الصادم من عجائب. فقد تزامن صدوره مع انفلاتات توالت أغرقت في إهانة الإسلام ورسول الإسلام، والإساءة إلي الدين ونبيّه، دون أن يتمنطق أحدٌ في الغرب لمحاكمة وعقاب مرتكبي هذه الاعتداءات والتحقير لأحد دينين سماويين يسودان العالم، ولم يعن أحدٌ في الغرب لدفع غائلة هذا التوحش والتهجم البذيء المخالف لكل الآداب والأعراف في احترام الأديان والرسل والأنبياء.
 تذرع الغرب ولا يزال بحرية الرأي، وأن من حق المسيء للإسلام ورسوله أن يسيء كما يشاء، فلا مصادرة علي الرأي، ولا جرم فيه!
 وهذه الازدواجية والتناقض الزاعق، شمل التغاضي عن كل جرائم إسرائيل ضد الإنسانية وحقوق الأوطان والشعوب، وتعامي عن حرب الإبادة والتهجير القسري التي تشنها علي الفلسطينيين في وطنهم الذي اغتالته بدعم غربي لا يزال يرعاها.
مأساة ارتداد العالم المؤرخ!
 وأعجب من الحكم، مأساة تراجع المؤرخ الكبير الذي لم يرتكب جرمًا، وليس صاحب عبارة شاردة يعتذر أويتراجع عنها، وإنما هوعالم صاحب نظر وبحث علمي رصين، من حق من يشاء أن يختلف وإياه، ولكن ليس من حق أحد أن يصادره ناهيكم بسجنه ومعاملته معاملة المجرمين.
واللافت أن المؤرخ »‬إيرفنج» لم ينكر الهولوكوست علي إطلاقه، ولكنه في كتابه : »‬نورمبرج المعركة الأخيرة»، توقف باحثًا ومدققًا في الأرقام المعطاة للضحايا، وما يقال عن معسكر »‬أوشفيتز» في بولندا، وكشف ببحثه أنه اطلع علي القوائم الرسمية لأسماء النزلاء الذين ماتوا بالمعسكر، فتحقق له حصول مبالغات، ووجد بين الأسماء من ماتوا بالمرض أولأسباب طبيعية غير الحرق بأفران الغاز.
يستطيع من يشاء أن يرد علي هذا البحث العلمي بما يشاء.
ولكن العجيب المصادرة الجهولة بهذا الشكل علي البحث العلمي، لا سابقة لها في أظلم عهود محاكم التفتيش!
المنطق المعوج!
غريب ولا شك أمر هذا المنطق المصاب بحول عجيب، السائد تحت مظلة الرخ الأمريكي. لم يتحرك أحدٌ في الولايات المتحدة لحماية السيد المسيح عليه السلام من اتهامه بالاستسلام للغواية، حينما قامت السينما الأمريكية بصناعة وبث فيلم : »‬الغواية الأخيرة للمسيح The Last Temptatation of »‬hrist». وهوفيلم يصور السيد المسيح عليه السلام في مشاهد جنسية مع مريم المجدلية، وضعتها اللغة السينمائية للفيلم في صورة مشاهد تراءت للسيد المسيح علي الصليب. لم يثر أحد في الولايات المتحدة ولا في الغرب بعامة لدفع هذه الإساءة عن المسيح الذي يدين الغرب بديانته، ولم يقاض أحدٌ ناهيك بالسجن مؤلف الفيلم أوكاتب السيناريوأوالمخرج، ولا قاضي أحدٌ دور السينما التي عرضت وتعرض الفيلم في أمريكا وفي أوروبا حيث النمسا وغير النمسا، ولا اعترض أوانزعج أحدٌ بالغرب مثلما لم يحرك أحدٌ ساكنًا إزاء هدم المساجد بالعراق، أوإزاء الرسوم الكاريكاتورية القبيحة المستهزئة التي صور بها رسول الإسلام، وحتي رأينا في أبريل الماضي »‬2018» دعوة لم يستنكرها أحدٌ بالغرب، صادرة من باريس، لمجموعة علي رأسها »‬ساراكوزي» رئيس فرنسا الأسبق، تدعولحذف آيات من القرآن الكريم، بتعلة أنه يعادي اليهود ويحرّض عليهم، وكان هذا الجنوح دافعًا لإصدار كتابي »‬حقائق القرآن وأباطيل الأدعياء». إلاَّ أننا لم نسمع أحدًا في الغرب يستنكر تحقير الإسلام والتطاول علي القرآن الكريم.
هدهدة الصهيونية!
 ماذا يمكن أن يصيب الصهيونية المهدهدة، من أن يري عالم مؤرخ رأيًا غير ما يرضي الصهيونية والمتنصرين لها ولكافة ما ترتكبه من إبادة للإنسانية!
 هل تغير العالم وتغير التاريخ وزالت إسرائيل لأن مؤرخًا ارتأي أن الصورة المرسومة للهولوكوست الجاري الابتزاز بها تخالف الواقع.
 ما سبب هذه الحُمّي إذن، وماذا أصاب الليبرالية والحرية المتباهي بها حتي تحكم المحكمة النمساوية بسجن العالم المؤرخ ثلاث سنوت ؟!
سجن روجيه جارودي
استحضر هذا المشهد، مشهـد محاكمة والحكم علي المفكـر الفرنسي الذي أسلم »‬روجيه جارودي» عن تهمة معاداة السامية عن كتابه »‬الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية» الذي ناقش فيه محاكمـات نورمبرج ومـا انتهت إليه!!، واستحضر هذا المشهد فيما استحضر القانون الهمايوني الذي أصدره الرئيس الأمريكي في أكتوبر 2004 لتتبع وضرب ما أسماه معاداة السامية.. هذا القانون الذي يفرض جناحيه ووصايته وشوكته علي العالم أجمع!.. يربط بين معاداة السامية وبين أي موقف مناهض لجرائـر وجرائـم وسياسة إسرائيل والصهيونيـة، لـم يكـف القانـون ملاحقات منظمات مكافحة »‬معاداة السامية» وعلي رأسها منظمة ميمري »‬Memri» ومقرها واشنطن، وعصبة ADL.. وإنما أدخل الحكومة الأمريكية بثقلها طرفًا أساسيًا فاعلاً في هذه الملاحقة!.. هذا القانون الذي وقف وراءه »‬توم لانتوس» اليهـودي الأمريكي المعروف بعدائه الجامح للعرب، وتحيزه السافر لإسرائيل وسياساتها، استقبله الصهاينة بالأهازيج والطبول لأنـه أقـام جـدارًا لا يصـد فقط عن العنصرية الإسرائيلية، وإنما يهدد بالملاحقة والتنكيل كل من يجرؤ علي انتقادها، ينهض علي ذلك شعبة خاصة جديدة أنشئت لهذا الغرض بالخارجية الأمريكية مهمتها أن تتابع لتفرض الولايات المتحدة الأمريكية وصايتها ورقابتها علي دول العالم وتلحق العقاب بمن تشاء!
امتداد سرطاني للملاحقات الصهيونية
لم تقتصر الملاحقات الملتبسة علي العالم المؤرخ، ولا علي جارودي الذي أسلم وكتب ما لم يعجب، فنري حملة بث الكراهية التي شنتها أبواق الصهيونية ضد الفنان الأمريكي »‬ميل جيبسون» الذي أنتج وأخرج وجسد شخصية المسيح ومأساة الصلب في فيلم »‬آلام المسيح». ونري الملاحقات الصهيونية تترصد حرية الصحافة والرأي والتعبير، واختارت المرحوم الأستاذ إبراهيم نافع لترفع عليه أمام محكمة باريس دعوي بمعاداة السامية!
صار الاتهام بمعاداة السامية سلاحًا مشهرًا يهدد كل رأي وصاحب رأي لا ترضاه الصهيونية!
امتدت هذه الملاحقات بدعم أمريكي لطرد أحد أعضاء مجلس النواب الألماني من المجلس بتهمة معاداة السامية..وامتدت الملاحقة من البحث والتاريخ والصحافة إلي مجال الأدب، فشنّت حملة منظمة مدبرة مشفوعة بأوصاف النازية والعنصرية ضد الروائي الألماني »‬مارتين فسلر» عن روايته »‬موت ناقد».
بل ولم يسلم الفاتيكان نفسه، والبابا شخصيًّا، والكنيسة الكاثوليكية، من الاتهام بمعاداة السامية وغض البصر عن جرائم النازية، وظل الضغط جاريًا لإصدار وثيقة تبرئ اليهود من صلب المسيح عليه السلام!
لا عجب إذن أمام هذه الضغوط، والتمدد الصهيوني والتراجع أمامه، أن يصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قرارًا بتسليم القدس الشرقية إلي إسرائيل تحت مسمي نقل السفارة الأمريكية إلي القدس!

عدد المشاهدات 50

الكلمات المتعلقة :