فكر وجدل

أوراق شخصية

الرئيس ماكرون.. والسياسة الإعلامية الغائبة!


آمال عثمان

  آمال عثمان
2/1/2019 6:56:19 PM

منذ أسابيع تناولت في مقالي قضية غياب السياسة الإعلامية للدولة المصرية، وافتقادنا لاستراتيجية إعلامية واضحة المعالم، تفتح قنوات قوية ومؤثرة وفعالة، وترسم خططا.
 لا تتوقف عند التعامل بسياسة رد الفعل وتصحيح الصورة، وإنما تحدد الرسالة والأهداف التي تريد الدولة أن تتوجه بها إلي الرأي العام في الداخل والخارج، خطط إعلامية لا تنتظر حتي يأتينا صحفي غربي يسألنا عن استخدام سلاح بلاده في قمع المتظاهرين، أوتجعلنا نفسح المجال بأيدينا أمام رئيس دولة غربية لكي يصول ويجول في عقر دارنا، ويعطينا دروسا ومحاضرات عن حقوق الإنسان والحريات المدنية، في قلب مؤتمر صحفي عالمي داخل مقر الرئاسة المصرية!!
أعود هنا للحديث مرة أخري عن السياسة الإعلامية الغائبة، بمناسبة ردود الأفعال التي صاحبت التصريحات الصحفية للرئيس الفرنسي "إيمانويل ماكرون" حول قضية تراجع حقوق الإنسان في مصر، وما حدث خلال المؤتمر الصحفي الذي حضره في قصر الاتحادية، وأتساءل: هل محاولة اتهام الرئيس الفرنسي بأن تصريحاته تعد تغيرا في مواقف بلاده، وتناقضا مع سياساته المعلنة تجاه مصر قبل عامين، يمكن أن تنهي إثارة هذا الملف في الصحف الغربية؟! وهل التلميح بالتجاوزات في التعامل مع مظاهرات أصحاب السترات الصفراء، تستطيع أن تغلق أحاديث المنظمات الغربية حول تلك القضية؟! وهل المجتمعات الغربية يمكن أن تتقبل وتتفهم أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والصحية، تتقدم علي الحقوق السياسية وملف الحريات في أوطاننا؟!
لقد أخطأنا الطريقة في التعامل مع تلك القضية الشائكة والحساسة، حينما استفزتنا تصريحات "ماكرون" التي أعلنها علي هامش زيارته لمصر، وتعاملنا معها بغضب واستنكار، واعتقدنا أنها اهانة لا تغتفر، ووجب علينا أن نرد له الصاع صاعين، وأخطأنا أيضا عندما توهمنا أننا قادرون علي إحراج الرئيس الفرنسي ومحاصرته في المؤتمر، ونقل ما يدور في ملف حقوق الإنسان داخل الغرف المغلقة إلي المجال العام، وبدلا من مناقشة الاتفاقيات التجارية والثقافية والعسكرية والتكنولوجية، التي وصلت إلي 40 اتفاقية بقيمة 1.6 مليار يورو، والدعاية السياحية التي تحققت من جولاته وزياراته للمعابد والمناطق الأثرية، واللقاءات المهمة التي عقدت علي هامش الزيارة، وجهنا دفة الحوار بعيدا وتصورنا أننا يمكن أن ننتزع منه تراجعا عن آرائه وقناعاته ومبادئه، واعتذارا عن تصريحاته.
وتمادينا في الخطأ حينما أعطينا التصريحات حجما أكبر مما يجب، وأقحمنا البرلمان في تلك التصريحات، صحيح أن النائبة مارجريت عازر قالت إنه لا توجد دولة في العالم ملف حقوق الإنسان فيها كامل، وأن نواب الشعب يرون أن حقوق الإنسان في كافة المجالات وليس السياسية فقط، ورغم ذلك هناك تشريع ينظم التظاهرات ويصون الحقوق، لكن الصحيح أيضا أن النائب محمد الغول تباري في هجومه، واعتبر أن تصريحات "ماكرون" تغازل منظمات حقوق الإنسان التي تهاجمه في فرنسا، وأنه يتخذ مصر كبش فداء لإنقاذ نفسه من الضغوط التي يواجهها في الداخل والخارج!
 في حين لم يكتف النائب نبيل بولس بأن يقسم بالله علي أن بعض السجون المصرية ترتقي إلي فنادق الخمس نجوم، لكنه طالب الرئيس الفرنسي أن ينظر للوحشية التي تعاملت بها حكومته مع مظاهرات أصحاب السترات الصفراء، قبل أن يتحدث عن حقوق الإنسان في مصر، بينما اعتبر النائب مجدي سيف أن حالة حقوق الإنسان في مصر أفضل بكثير من فرنسا، وعلي الرئيس الفرنسي قبل أن ينتقد حقوق الإنسان في مصر، يحدثنا كيف تعاملت الحكومة الفرنسية وجهاز الشرطة والجيش مع مظاهرات السترات الصفراء، أي علي طريقة "اللي بيته من زجاج لا يقذف الآخرين بالطوب"!!
يا سادة.. لقد أكد الرئيس الفرنسي علي موقفه الرافض لأي تدخلات من حكومات أومحاولات تسلل باسم الدين لزعزعة الاستقرار في مصر، وتفهمه للصعوبات والتحديات التي يواجها الرئيس السيسي لإعادة بناء الدولة بصورة حديثة وتطوير اقتصادها، والجهود التي تبذل لاحترام حرية العبادة والمعتقدات الدينية، وأشار إلي أن حواره عن حقوق الإنسان نابع من احترام وفهم مشترك، وحرص علي صورة مصر أمام المجتمع الدولي، ومهما كانت الفروق الثقافية في فهمنا لحقوق الإنسان، فلابد أن يمر التطور والتقدم الاجتماعي والاقتصادي والفكري عبر بوابة الحريات المدنية والحقوق السياسية.
إن التساؤلات التي طرحت في المؤتمر الصحفي قد تكون مشروعة، لكن يجب أن نعاد صياغتها في إطار استراتيجية إعلامية واضحة ومحددة، حتي لا تتحول إلي نيران صديقة.

عدد المشاهدات 117

الكلمات المتعلقة :