فكر وجدل

في أروقة السياسة

تغريدات ترامب


د. سمير فرج

  د. سمير فرج
2/1/2019 6:58:07 PM

يتغير العالم من حولنا، بوتيرة متسارعة، في كافة المجالات، ويطولنا التغيير في الكثير من الأمور الحياتية، ومنها الإعلام، عبر وسائل ومنصات مختلفة، لم نعتدها في الماضي.
 فأتذكر، في مقتبل عمري، كيف كنا ننتظر نشرة أخبار الساعة الخامسة، علي موجات الإذاعة، لنتعرف من خلالها علي أحوال العالم، وكانت الصحف، المطبوعة، وسيلتنا الرئيسية لمعرفة الأخبار، والاستمتاع بالمقالات، والتحقيقات، والتحليلات، لمختلف أصحاب الرأي.
وأذكر جيداً، وأنا ذلك الضابط الشاب، في الستينات، علي سفوح جبال اليمن، أنتظر، بين زملائي، مساء كل يوم جمعة، لنستمع، علي إذاعة صوت العرب، لمقالة الأستاذ محمد حسنين هيكل، "بصراحة"، التي صدرت في صباح ذات اليوم، في جريدة الأهرام، الغراء. وأذكر في ذلك الوقت، ظهور إذاعة الشرق الأوسط، بأسلوبها الرشيق، والخفيف؛ لتكون، مع مقالة الأستاذ، الرابط بيننا وبين الوطن الأم، ونحن بعيدون عن أرضها.
وظهر التلفاز، ليحدث ثورة في دنيا الإعلام، بنقله للصورة الحقيقية، بأبعادها، وألوانها، وينقلنا إلي عالم الإعلام المرئي، الذي تطور بسرعة فائقة، وصار جزءاً أصيلاً من الحياة اليومية. ومع تطور وسائل الاتصالات، ظهرت العديد من المحطات التليفزيونية، والإخبارية، وكان في طليعتها محطة »‬NN الأمريكية، لتبث لنا الأحدث علي الهواء مباشرة، لحظة وقوعها، فمن منا لا يتذكر حرب الخليج، التي انفردت هذه المحطة، بنقل وقائع معاركها، لحظة بلحظة، ليتغير معها شكل الإعلام، منذ ذلك التوقيت.
فأذكر أثناء وجودي في تركيا، وأنا ملحق عسكري لمصر بها، أن كنت في لقاء مع مدير الاستخبارات التركية، في مكتبه، وكان التلفاز، أمامه، موجه علي محطة »‬NN، ونظر إليه قائلاً، "هذا هو ملحقي العسكري إلي بلاد العالم... فالخبر يصلني من خلاله، قبل أن يرسله الملاحق العسكريين الأتراك، من البلاد التي يعملون بها".
كان ذلك في التسعينات، عندما انطلقت ثورة الأقمار الصناعية، لنقل المعلومات والصور، في الحال، وتطورت هذه الأقمار لتنقل صورة الحدث، حتي بعد وقوعه، فلقد كانت صور هذه الأقمار الصناعية تنقل لك مكانا محددا، وتخبرك، علي سبيل المثال، أن ذلك المكان كان يتواجد به حوالي 80 دبابة، وقد غادرت المكان منذ ساعة تقريباً. وبدأت هذه الأقمار الصناعية تنقل صور القواعد الجوية، والمطارات، والموانئ البحرية، والمصانع، ومقار مراكز القيادة، ومراكز الاتصالات المختلفة، وفي كل يوم تتطور هذه التكنولوجيا؛ فبعدما كان الاعتماد علي قمر صناعي واحد، أصبح لكل دولة، ولكل جيش، قمر صناعي خاص به، يحقق له اتصالات دولية، ونقل معلومات حول العالم، طبقا للمدار المحدد.
وحدثت صورة إعلامية جديدة، باستفادة وسائل الإعلام، من أحدث تكنولوجيا الاتصالات ونظم المعلومات، فأصبح الخبر، أو المعلومة، أو الصورة، يصل إلي تليفونك النقال، بينما أنت تتحرك في أي مكان، وهو ما كان يتم، من قبل، بالاعتماد علي أنظمة المعلومات التقليدية، مثل وكالات الأنباء، أو محطات الإذاعة والتليفزيون. وأصبحت لدي دوائر المخابرات، في العالم كله، أقسام الاستماع، لمتابعة ما يتم في كل دولة، وفقاً لأهميتها السياسية، ونوعية الأحداث.
ثم اعتلي الرئيس دونالد ترامب، كرسي الرئاسة في البيت الأبيض، ليفاجئ الجميع بإصدار تغريدة، أو تويتة، يومياً، من علي صفحته، بمنصة التواصل الاجتماعي، "تويتر"، في تمام الساعة الثامنة والنصف صباحاً، بتوقيت بلاده، أي الثانية والنصف ظهراً بتوقيت القاهرة، ليعلن من خلالها خبراً، أو قراراً، أو رأياً، مهماً، يقلب الأوضاع رأساً علي عقب، لما له من مردود داخلي أو خارجي. ولعل آخرها، كانت تغريدته، منذ أيام، بقراره بسحب القوات الأمريكية من سوريا، والذي علم عنه وزير الدفاع الأمريكي، "جيمس ماتيس"، من خلال تلك التغريدة!
وأصبحت محطة »‬NN العالمية، اليوم، تستقي معلوماتها من تويتات ترامب، وصرت أنا، العبد الفقير إلي الله، حريص في تمام الساعة الثانية والنصف ظهراً، علي الدخول علي صفحة ترامب، لأعرف الجديد في العالم. ويبدو أن الصراع بين ترامب، ومحطة »‬NN، قد بدأ منذ حملة ترامب الانتخابية، حينما اتخذت هذه المحطة موقفاً غير حيادي، بل ومعادي لترامب، وبلغ ذروته عندما طرد ترامب مندوب المحطة من البيت الأبيض، بعد توليه الحكم، ومنعه من الدخول لحضور المؤتمرات الصحفية، إلا أنه عاد بحكم المحكمة، لعدم دستورية القرار. وعلي أية حال، لا يمكن إنكار أن تويتات الرئيس الأمريكي ترامب، أصبحت ظاهرة، ومصدرا للحصول علي المعلومات في الفترة الحالية، وأصبح الجميع؛ سواء محطات الإذاعة أو التليفزيون، أو مراكز المعلومات والدراسات، أو حتي المواطن العادي، يترقبونها، يومياً، للتعقيب عليها، وتحليل أبعادها.
وهكذا نري كل يوم الجديد في شكل وأسلوب تناول المعلومات، علي مستوي العالم، حتي إن مراكز الدراسات الأمريكية، والمراكز البحثية، قررت في العام السابق، أن تحليلها للمعلومات والأحداث، يقتصر علي نشر المعلومة، وتفاصيلها، والحقائق، والأبعاد الرقمية للحدث، دون أن تعطي للمتلقي الرأي في التحليل أو التقدير، تاركة له التوصل لاستنتاجه وتقديراته، من عرض هذه المعلومات. ولا زلنا في انتظار الأحدث في جعبة التكنولوجيا، لسرعة تناول المعلومات مصحوبة بأدق التفاصيل والبيانات.
وعلي صعيد متصل، فقد تطورت وسائل وأساليب التجسس، وبعدما كانت تعتمد علي زرع كاميرات وميكرفونات، داخل المكان المطلوب التجسس عليه، أصبح من الممكن وضع طبق صغير أمام المبني المجاور لك، لديه القدرة علي التقاط كل ما يدور داخل المبني المراد التنصت عليه، وأصبح الصراع، الآن، هو كيفية التغلب علي هذه التكنولوجيا الجديدة، بتكنولوجيا أحدث منها. فحتي بناء ما يسمي Fire Wall، لم يعد قادراً علي منع هذه الأساليب. ولقد كان أشهر الأعمال العسكرية، التي تم بثها مباشرة، للرئيس الأمريكي أوباما في مكتبه في البيت الأبيض، هي عملية اقتحام منزل أسامة بن لادن، في باكستان، بواسطة فرق الكوماندوز الأمريكية، علي بعد آلاف الأميال من واشنطن العاصمة، ليتابعها الرئيس أوباما، خطوة بخطوة، حتي إتمامها، بقتله، وسحب جثته علي الطائرات الأمريكية إلي خارج باكستان، والتخلص منها. والأهم من ذلك، أن باكستان لم تعلم بهذه العملية، إلا بعد الإعلان عنها رسمياً. يا أيتها التكنولوجيا... رحمة بنا.

عدد المشاهدات 60

الكلمات المتعلقة :