فكر وجدل

أوراق شخصية

النافذة الوهمية.. والمعادلة الحسابية


  آمال عثمان ‏amalosman8482@gmail.com
4/19/2019 6:26:12 PM

أقضي ساعات طويلة يوميا مثل أغلب المصريين أمام عجلة القيادة، أكابد الزحام والاختناقات والعشوائية، واتجشم عناء الفوضي المرورية التي تهدر الجهد وتبدد الوقت والمال، وتلهب الأعصاب وتنهك الاذهان، لذا صار الراديو رفيقي الأثير.
 وأصبحت متابعة الأخبار، والاستماع إلي البرامج عبر شبكاته، الوسيلة الناجعة لقتل الملل، والاستفادة من الوقت الضائع من العمر هباء منثورا.
الأسبوع الماضي استمعت إلي برنامج علي شبكة صوت العرب، يقدم أخبارا خفيفة من العالم، واستوقفتني قصة طريفة نشرتها صحيفة " ديلي ميل" البريطانية، حول مضيفة ابتكرت حلا طريفا لشكوي مسافر أثار ضجة، بسبب عدم جلوسه في مقعد بجوار النافذة، رغم حجزه لمقعد يطل علي النافذة، وطلب من طاقم الضيافة نقله إلي مقعد آخر في الطائرة.
 لم تتمكن المضيفة من تلبية رغبة الراكب، بسبب عدم وجود مقاعد شاغرة، ولكنها ابتكرت حلًا بديلًا وغير متوقع للمشكلة، حيث قامت برسم نافذة علي قطعة من الورق، تظهر فيها صورة للسحب والبحر، أي نفس ما يشاهده المسافر خلال الرحلة من نافذة حقيقية، وألصقت الورقة بجانب مقعد الراكب، مما جعله يتوهم أنه حقق هدفه ويهدأ، صورة الراكب وبجواره النافذة الورقية انتشرت علي مواقع التواصل الاجتماعي،وحصلت علي آلاف المشاركات والإعجاب.
ورغم أنني غضبت من إذاعة خبر قديم يعود إلي شهر نوفمبر الماضي، في برنامج صباحي علي شبكة عريقة مثل صوت العرب، إلا أن موقف المضيفة التي نجحت في إقناع المسافر بواقع كاذب وحقيقة مضللة، ذكرني بفيلم إيراني رائع شاهدته منذ سنوات، بعنوان "دو با دو" ويعني "اثنان زائد اثنان"، والفيلم مدته 6 دقائق ويتناول فكرة تغييب العقول وخداعها والهيمنة عليها، وفرض الأكاذيب والمعتقدات الخاطئة كحقائق مسلم بها، وتدور أحداثه داخل فصل مدرسي، ويبدأ بدخول مدرس يطلب من التلاميذ عدم الجلوس، قبل سماع كلمة مدير المدرسة التي تذاع من خلال مكبر صوت داخل الفصل، والذي يقوم بدوره بحث الطلاب في كلمته علي الانصياع إلي ما سيقوله الأستاذ وإطاعته دون اعتراض، بعدها يمسك المدرس بقطعة الطباشير، ويكتب علي السبورة اثنان + اثنان = خمسة، ثم يلتفت للطلاب ويأمرهم أن يرددوا خلفه هذه القاعدة الحسابية، المخالفة للمنطق والعقل باعتبارها حقيقة مسلماً بها، ولكن أحد التلاميذ يرفع يده علي استحياء ويتساءل: ولكن أليس اثنان زائد اثنان يساوي أربعة؟ فيغضب المدرس ويثور علي التلميذ ويعنفه، ويأمره بعدم التفكير أو النقاش ويجبره علي الصمت، فيعود التلميذ لمقعده خائفاً مرتعداً.
وبينما يطلب الأستاذ من التلاميذ الاستمرار في ترديد هذا الخطأ الحسابي دون مناقشة، يعترض طالب آخر ويصر علي عدم قبول تلك المغالطة والحقيقة العلمية المضللة، ويعنفه المدرس ويزجره دون جدوي، فيترك الفصل ويخرج، ثم يعود ومعه ثلاثة من طلاب الشرطة المدرسية، في حين يلوم التلاميذ زميلهم الذي سيتسبب لنفسه ولهم في متاعب كبيرة، ويطلب الأستاذ من التلميذ المتمرد حل المسألة الحسابية علي السبورة، في حين يرفع طلاب الشرطة المدرسية أيديهم كبنادق لتهديده، ولكنه ينظر لهم في تحدٍ وكبرياء، ويكتب 2 + 2 = 4، فتنطلق رصاصات افتراضية وتنفجر الدماء وتغطي جزءاً من السبورة، ويسقط الطالب صريعا، فتحمله الشرطة المدرسية خارج الفصل، ويمسح المدرس رقم أربعة المختلط بالدماء من فوق السبورة، ويكتب بدلا منه رقم خمسة، ويطلب من التلاميذ ترديد المعلومة كحقيقة علمية، وكتابتها في كراساتهم، فينصاعون لأوامره وهم خائفون، وينتهي الفيلم بقيام أحد التلاميذ بالشطب علي الرقم المضلل "خمسة" في كراسته، واستبداله بالرقم الصحيح "أربعة".
إن أقدم استخدام لعبارة "اثنان زائد اثنان" كان في رسالة عام 1813 من اللورد "بايرون" إلي آن "إيزابلا ملبانك" التي كان سيتزوجها، كما أنها شعار استخدمه عدد من الكتاب، مثل دوستويفسكي وفيكتور هوجو وتولستوي، كذلك وردت في رواية 1984 لجورج أورويل للتعبير عن مبادئ التفكير المزدوج.
عزيزي القارئ ..إذا كان الفضل يرجع إلي السيارات في بقاء "الراديو" حيا منذ ثلاثينيات القرن الماضي، رغم مرور أكثر من 80 عاما علي علاقة البشر به، فإن "الراديو" هو صاحب الفضل الأكبر في جعل قائدي السيارات في مصر يستطيعون البقاء علي قيد الحياة، دون أن يفقدوا رشدهم وسط فوضي الزحام والتكدس المروري.

عدد المشاهدات 57

الكلمات المتعلقة :