فكر وجدل

مدارات

بين التعصب والإرهاب


رجائي عطية

  رجائي عطية
5/10/2019 5:55:52 PM

 أردت بهذا العنوان أن أوضح أن التعصب غير الإرهاب، وإن تداخلت دوائرهما . فالتعصب قد يقف عند حد التطرف والتعصب الفكري والعقيدي دون أن ينفلت إلي العنف والإرهاب، أما الإرهاب فهوتعصب وزيادة، لأنه يقرن التعصب باستخدام العنف والدعوة إليه، وبالإرهاب الذي ينحدر إلي هاوية القتل وسفك الدماء، والترويع والإفزاع، والتدمير والتخريب والإهلاك !
   وقد نفهم من هذا أن التعصب برغم شططه، يبقي داخل الدين ولا يخرج عنه .
   أما الإرهاب فهوبالقطع خارج الدين خروجًا سافرًا عنه، ومخالفة شنيعة لقيم الدين ومبادئه وقواعده وأحكامه .
التعصب
 الأصل أن حاجة الإنسان إلي الاعتدال في طاعة عواطفه، تتساوي أوتتوازي مع حاجته لطاعة عقله .. ولكن هناك من لا يرقي عقله إلي حد التحكم في شرود أوجموح عواطفه . وهؤلاء معرضون لنوبات التعصب والتطرف، علي درجات مختلفة، ومنهم من ينساق إلي المغالاة في الاستسلام لعواطفه، ومن هنا يتشكل التعصب الذي يلازمه إصرار عجيب عنيد علي معتقده المغلوط !
 وهذه المغالاة تحدث غالبًا مع تحكم العواطف الإيمانية، مثل الشعور بالانتماء إلي دين أوملّة أومذهب أوطائفة دينية، أوإلي جنس أوشعب أوعشيرة أوطبقة .  
 ومغالاة الآدمي في عاطفته الإيمانية المتعلقة بتلك الانتماءات ـ تضخم ذاته حتمًا، وترفعها في عين نفسه إلي مقام لا يقبل ولا يطيق المساس به، وتجعل كل مساس بقيمة أي من هذه الانتماءات ـ مساسًا مباشرًا بذاته هو.. لا يقبل بشأنه الأسف أوالاعتذار، أوالتهدئة، ويطلق فيه انفعالاته من عقالها وقيودها بلا تعقل، فينسي الأصول والحدود والمقبول والمعقول .
 وكما يكون التعصب دينيًّا أوجنسيًّا أوقبليًّا أوطبقيًّا أوأسريًّا أوفرديًّا، يكون أيضًا تلقائيًّا ليس ثمرة أي تنظيم محكم، كما يكون كسبيًّا منظمًا مدربًا كما في الجيوش المحاربة وفي الجماعات الدينية المتطرفة والجمعيات السرية، وفي المؤامرات وحلقات المتطرفين والفوضويين وتشكيلات الفرق العصابية .
 وقد يبقي هذا التعصب في دائرة التشيع للفكرة أوالمعتقد، كما نري في بعض المذاهب الدينية المتحجرة، وقد يجاوزه إلي الانزلاق إلي استخدام العنف، وهنا يبدأ الإرهاب، لأنه تعصب وزيادة، وهذه الزيادة قوامها العنف والإرهاب .
الإرهاب
 قلنا إن الإرهاب تعصب وزيادة، زيادة في التعصب ذاته، وزيادة في الانتقال به إلي دائرة العنف، والقتل والذبح وسفك الدماء، وحصد الأرواح، بأبشع وسائل القتل، والترويع والإفزاع، والتدمير والتخريب والإهلاك !
هذا الإرهاب لا دين له، فلا دين من الأديان السماوية أوغير السماوية يدفع إلي الإرهاب والقتل أويجيزة أويقبله .. ومهما اتشح الإرهابي بأي دين، فهواتشاح كاذب وانتحال مغرض لستر بشاعة الجرائم التي تفزع منها الإنسانية . حدث هذا في أستراليا البعيدة في سنة 2014، وحدث في » شاور »‬ بالباكستان في مذبحة بشعة ارتكبتها حركة طالبان حصدت فيها أرواح 142 تلميذًا في مدرسة، وحدث ويحدث في الولايات المتحدة، وفي فرنسا وبريطانيا وألمانيا وغيرها من البلدان الأوروبية، وحدث ويحدث في البلدان العربية والشرقية، وحدث ويحدث في مصر ـ في سيناء، وفي ربوع الوادي .
هذا التمدد الإرهابي الذي شمل قارات الدنيا، يعني أيضًا أن الإرهاب لا وطن له، وليس غريبًا أن نري في الجماعات الإرهابية جنسيات وديانات مختلفة، وهذا التنوع شاهد مزدوج، يعني أن الإرهاب لا دين له، وأنه لا وطن له !
  من الخطأ البين وصف هذه المذابح بأنها تطرف، هذه جرائم قتل عمدية، بأبشع صور وأساليب القتل .
  لم يستطع حسن البنا أن يصف من قتلوا النقراشي باشا بأنهم متطرفون، وإنما خرج
يقول : »‬ لا هذا من الإسلام، ولا هم مسلمون » .
   إن التطرف »‬ مغالاة » و»‬ غلو» و»‬ مبالغة » و»‬ غلواء » تحيد عن »‬ الوسط » وتخرج عن حد الاعتدال،  وهي بذلك تخرج من عباءة وأساس فكر أودين أومذهب صحيح،  إلي أقصي أحد طرفيه .. إلي أقصي اليمين أوإلي أقصي اليسار،  لذلك يقال عن التطرف في المعاجم إنه ما يجاوز حد »‬ الاعتدال »،  أويميل بالمغالاة والغلوإلي »‬ منتهي » الشيء !!
   فالتطرف له أصل،  يُقاس عليه !!
   وليس لهؤلاء الإرهابيين »‬ أصل » تُقاس جرائمهم عليه حتي تُحسب تطرفًا ويُحسبوا متطرفين !!!
   هذا ضلال صرف وكفر بواح،  فلا أصل في الإسلام الذي يتشحون به كذبًا،  ولا في أي دين أوملة،  لقتل وذبح وجز رقاب الناس !
   إن لم يكن هذا ضلالاً وكفرًا،  فماذا بالله يمكن أن يكون الكفر والضلال ؟!
  أخطر ما يقع فيه الخطاب الديني والصحفي والإعلامي،  أن يستخدم تعبير »‬ التطرف » و»‬ المتطرفين » في توصيف هؤلاء القتلة وجرائمهم البشعة !!!
   والأخطر من توصيف »‬ التطرف »، وصف هؤلاء بأنهم »‬ تكفيريون »، انسياقًا وراء دعواهم أنهم يكفرون عباد الله، مع أنه أولي بهم تكفير أنفسهم بما يقارفونه من جرائم شنيعة ضد الإسلام وما يقدسه الإسلام !
    فكيف يُحسب ذبح الناس وجز رقابهم تطرفًا أومغالاة،  في هذا الدين ؟!
   وكيف يقال عن هؤلاء الضالين إنهم تكفيريون، وهم لا دين ولا مصداقية ولا حجة لهم حتي يكفروا أحدًا .. إن أي مسلم من أوساط المسلمين يحمل من الإيمان بالإسلام ما لا يحملون، ويلتزم بأحكام الدين التي يعبثون بها هذا العبث المريع !!
   فلوكان هؤلاء ينتمون حقيقةً إلي الإسلام،  لما قبلوا تمريغ صورته في التراب وتشويهه في عيون الناس هذا التشويه الظالم في العالمين !!
   ليس هذا من الإسلام،  وليس هؤلاء بمسلمين !
   هذه هي الحقيقة التي يجب أن يتوسدها الخطاب الديني،  والخطاب الإعلامي وإلي الخارج قبل الداخل،  لتُعْلِنَ إلي الدنيا براءة هذا الدين الحنيف من عبث وإجرام هؤلاء المجرمين الضالين العابثين !
عود علي بدء
 يبقي أن التعصب والتطرف يمكن أن يُداوي، بالشرح والتوضيح والبيان والتذكير، وعلاج الجذور النفسية التي ربما ساهمت في تكوينه، ويمكن للمتعصب إذا ما فهم واستنار أن يرجع إلي الاعتدال، حين يفهم الدين كما أنزله وأراده الله .
   أما الإرهاب، فهوداء عضال لا شفاء منه، لأنه مخلوط بالغرض والهوي، مدفوع بعوامل تجمح به قصدًا إلي الخروج المتعمد عن الدين وعن الإنسانية، جريًا وراء مآرب وأغراض مشتركة لاقت رواجًا واتفاقًا بين المحِّرض والمحَّرض ؛ ولهذا كان الإرهاب لا دين ولا وطن له، ولا يشفع في مواجهته إلاَّ سيف القانون والعقاب، فالسلاح لا يواجه إلاَّ بالسلاح، ومواجهة السلاح بالسلاح ليست خروجًا علي الشرعية، بل هي الشرعية ذاتها، دينًا وقانونًا، فمواجهة سلاح الإرهاب دفاع مشروع ليس فقط عن نفس واحدة، بل عن نفوس متعددة بغير حصر، وعن المجتمع برمته، وكيان الدولة ذاتها .
   صاح تشرشل الداهية البريطاني العجوز، في مواجهة الإرهاب الذي جعل يطرق اليونان إبان الحرب العالمية الثانية ـ صاح صيحته التي صارت مثلاً في الغرب قبل الشرق : »‬ العنف لا يمكن أن يقابل إلاَّ بالسلاح » !
  حما الله مصر والمصريين من الإرهاب والإرهابيين .

عدد المشاهدات 47

الكلمات المتعلقة :