فكر وجدل

مدارات

أتــراح لغتنـــــا العربيـــــة


رجائي عطية

  رجائي عطية
6/7/2019 6:55:38 PM

 حتي أوليات القرن الماضي، كانت لغتنا العربية مهيضة في مصر، وحسبك أن تقرأ ما كان يُصاغ من أحكام قضائية، أويُبدي من مرافعات، أوالتقرير الذي كتبه الأستاذ محمد عبده لإصلاح القضاء الشرعي .
كانت اللغة العربية مهيضة في بلدها، تفسح المجال في المحاكم للإنجليزية والفرنسية والإيطالية والتركية، ويعدوالترك والكرد والشركس والأرناؤوط وأسـري إبراهيم باشـا مـن بلاد » المـورة »‬ »‬ وكريت » »‬ والأناضول » الذين فك اعتناقهم الإسلام أسرهم ـ علي أهل البلاد، فصاروا حكاما يترفعون علي أهل مصر وعلي لغتها، فتراجعت اللغة العربية في المرافعات والأحكام، ومن يرجع إلي سجلات وأحكام المحاكم الشرعية في ذلك الزمان يجد العجب العجاب في تردي لغة الأحكام ومصطلحاتها وسيادة التركية التي كانت لغة البلاد الرسمية، وتشويه النقل إلي اللغة العربية، مع تواضع وضعف وركاكة كتابة المذكرات والأحكام، ولعل بداية نهضة اللغة العربية في المحررات القضائية الرسمية يرجع إلي البناءين العظام في باقة رائعة كان منها الأستاذ شفيق بك منصور وإسماعيل باشا صبري والأستاذ الإمام محمد عبده وسعد باشا زغلول وأمين باشا فكري وعبد العزيز باشا فهمي ومحمد باشا فخري وأحمد فتحي باشا زغلول وقاسم بك أمين ومحمد بك صالح وحفني بك ناصف وغيرهم .. هؤلاء الذين حملوا الشعلة، وانتقلوا نقلة ملحوظة بأسلوب كتابة الأحكام وتطعيمها بمبادئ الشرع والقانون .
جهود الرواد
لقد بذلت أجيال الرواد، جهودًا عظيمة دءوبة، لرد المكانة إلي لغتنا العربية، وكان من أعمالهم المجيدة إنشاء مجمع اللغة العربية لكي يكون أمينًا عليها قائمًا بتنقيتها وضبطها راعيًا لتطورها، وقد كان أول إنشائه في عام 1916 باسم »‬ مجمع دار الكتب » وأنشئ بجهود خاصة، ولم تتدخل الدولة إلاَّ عام 1932 ـ يوم أنشئ مجمع اللغة العربية، والحديث عن المجمع وعطائه يطول، ولم يكتف بجهود أعضائه، بل استعان ويستعين بالخبراء المتخصصين في أبواب الثقافة المختلفة، ويشترك هؤلاء الخبراء في لجان المجمع ومجلسه ومؤتمره، ويؤدون للعلم واللغة العربية خدمات جليلة .
    من أغراض مجمع اللغة العربية منذ نشأته، الحرص علي سلامة اللغة وتيسيرها، وتغذيتها وتنميتها بما هي في حاجة إليه من ألفاظ ومصطلحا فرضها تطور العلوم ومستحدثاتها في العالم كله .
 وعلي هذا سار المجمع طوال هذه السنين التي ناهزت قرنًا من الزمان، وقام بتوسعة متن اللغة، وتيسير القياس والاشتقاق، وعني بالمصطلح العلمي عناية خاصة، ولبي الحاجة إلي وضع مصطلحات علمية وحضارية جديدة تواكب ما نشأ وتطور من العلوم المختلفة .
 واخرج المجمع المعجم الوسيط للغة العربية في مجلدين تعددت طبعاتهما لسد حاجة المشتغلين بالعربية والمعنيين بضبط اللغة، والمعجم الوجيز، وطفق يعد للمعجم التاريخي، كما بدأ منذ سنة 1970 في وضع »‬ المعجم الكبير » وهوعمل ضخم غير مسبوق، ظهر منه حتي الآن أحد عشر مجلدًا، أشبه »‬ بمعجم لاروس » في الفرنسية .
الارتدادة المؤسفة
 لا أغالي ولا أبالغ إذا قلت ارتداده، حسبك أن تطالع أسماء المحلات والمطاعم والمنتديات، لتري كيف عزفت عن لغتنا العربية، واستعارت مسمّيات أجنبية، اعتقادًا بأن ذلك أدني للانتشار والترويج، وحسبك أن تراقب أحاديث ومحاورات الشباب، لتري أن غير قليل منهم قد عشق الافتخار بالحديث باللغات الأجنبية !
تسرب العامية واللهجات المحلية
  تواجه العربية من قديم تعدد اللهجات المحلية، وتسرب العامية المحلية إلي استعمالات الناس قراءةً ثم كتابةَ، وهي قضية شغلت من زمن أدبائنا الكبار انشغالاً حميمًا جادًا، بحثًا عن أسلوب وسيط يحفظ العربية الفصحي ويقترب من لغة الناس، ويراعي فيما يراعي دواعي العصر أن تكون اللغة أكثر دقة وإحكامًا وانضباطًا، وبعدًا عن الميوعة والسطحية والسجـع اللفظي والعقلي والمحسنات البديعية الجوفاء .. ولكن من يتابع محاولات هؤلاء الكبار يدرك مدي الجهد الجهيد الذي بذله جيل الرواد مجدولاً بحرص حريص علي العربية والتزامها في جدية مشهودة .. تلمس هذا ـ علي سبيل المثال ـ في كتابات يحيي حقي الذي مع دعوته إلي أسلوب جديد في محاضرته التي ألقاها بجامعـة دمشـق ونشـرت فـي كتابه »‬ خطوات في النقد »، كان أحرص الحرصاء علي العربية حتي أنه كان يمضي الساعات بين المعاجم ليختار أوينحت كلمة عاشقًا حتي النخاع للغته العربية .. ولكن ما يجري الآن طوفان من الإيغال في السطحية تذرع بالبحث عن لغة وسيطة توفيقية، ليفارق الفصحي ويوغل في مفارقتها ويستسلم »‬ للعاميات » المحلية حتي باتت اللغة الفصحي بعيدة عن استعمال وربما عن فهم كثير من الناس، واجتاحت الساحة اللهجات العامية مطعمة بألفاظ هابطة صارت تصافح عيون وآذان الناس في الأعمال المسرحية التي تركت المسرح وقواعده وتقاليده إلي الرقص والزمر، وفي الدراما التلفزيونية والإذاعية، وأخذ هذا الزحف المستمر ـ يجور شيئًا فشيئًا، حتي تسرب إلي كتابات الأدباء (؟!) والشعراء (؟!) ـ يتعلل بعضهـم مداراة بمقتضيات واقعية ما يجب أن يدار مـن حـوار علي لسـان الشخصيات في العمل المسرحي أوالدرامـي أوالروائـي أوالقصصـي ـ بيد أن طوفـان العاميـة والهبوط لم يلتزم بهذا الحد، ومضي لا يلوي علي شيء حتي ابتعد عامة الناس عن اللغة الأصل، وصارت العربية الفصحي غائبة غريبة أوشبة غريبة في وطنها !!!
 هذه الازدواجية، بين »‬ الفصحي » و»‬ العاميات » ـ فهي ليست عامية واحدة، شكلت وتشكل تحديًا حقيقيًّا ناحرًا للغة الفصحي، ركب علي ذلك عقم وتعقيد وجفاف أسلوب تدريس اللغة في مراحل التعليم المختلفة، وتزاوج ذلك مع هبوط المستوي التعليمي العام الذي هجر من زمن ـ الكيف إلي الكم، ثم جار الكم علي أي اعتبار للكيف، حتي صار خريجوالجامعات يخطئون في أبسط قواعد الإملاء، ناهيك بالإلمام بقواعد اللغة ومفرداتها ومترادفاتها وروحها وثرائها ـ ذلك الذي دعا العقاد لأن يخصص كتابًا لها بعنوان، »‬ اللغة الشاعرة » ـ لأنها بثرائها تعين الشاعر علي نظم القصيد المحكوم بالجرس والمعمار الموسيقـي، والبحور والمصاريع والقوافي، إلي غير ذلك مما لا تقدر علي إمداد الشاعر بأدواته فيه إلاّ لغة غنية واسعة الثراء في مفرداتها وحركات إيقاع الألفـاظ فيهـا تبعاً لموقعها من الإعراب بين السكون أوالنصب أوالرفع أوالجر أوالتنوين، مما يتيح ـ مع غني المفردات ـ بحرًا زاخرًا من الجرس يعين الشاعر في مهمته المحكومة بقوالب وضوابط وقيود لا تحكم كتابة النثر المرسلة !
هجران الفصحي !
 هجـران الفصحـي شائع الآن حتي النخاع في كلام وأحاديث النـاس، وفـي أغانـي ومونولوجـات المطربين ناهيك بالزاحفين علـي الطرب والغناء، وفي الحوارات المسرحية والدرامية والروائية والقصصية، وفي معظم الكتابات الصحيفة، وزحف إلي لغة الآداب العامة بعد أجيال البنائين العظام، ثم أخذ هذا كله يزحف إلي الإعلام المرئي والمسموع، وزحفه في هذا المضمار يزحف بالحتم والضرورة علي المجتمع بأسره .. كان المذيع قديما يخضع لاختبارات بالغة العمق والعراضة، تشترط فيه فضلاً عن الموهبة والصوت ـ ثقافة واسعة، وإتقاناً تاماً للغة العربية معرفة ونطقاً .. ولا مجال في اجتياز هذه الامتحانات لوساطات ولا محسوبيات ولا مجاملات، فكنا في صبانا نضبط لغتنا العربية ـ نحـوًا وصرفـًا ونطقـًا ـ علي مذيعينا أمثال محمد فتحي وعبد الوهاب يوسف وحسني الحديدي وصلاح زكي وعباس أحمد وفهمي عمر وسعد زغلول نصار وجلال معوض وفاروق خورشيد وطاهر أبوزيد وأحمد فراج وفاروق شوشه ـ إلي آخر الباقة التي ظلت تحمـي العربية وتسربهـا بسلاسة إلي وعي الناس، فلما أن اقتحمت الوساطات والمجاملات، بات علينا أن نحمي عربيتنا من أخطاء كثير من الزاحفين الجدد الذين لا يعرفون اللغة، ولا يهتمون بمعرفتها، ولا يهتم أحد باشتراط علمهم بها، أوبتعليمهم إياها أومحاسبتهم علي الأخطاء الفادحة فيها التي أخـذت بدورهـا تتسلل إلـي وعي الناس !
ندح المجتمع كله !
 الندح الذي نراه هوندح المجتمع كله، وغياب العربية هوإذن غياب عن المحيط العام، وعـن لغة وخطابات الساسة والمسئولين الكبار، بل وعن الواجب التفاتهم بحكم تخصص مواقعهم إلي حقوق اللغة وحدودها ـ والاحترام الواجب لها ولقواعدها .. وهذا الغياب لا بد ينعكس بالضرورة علي كل ربع وعلي كل مجال !
    لغتنا العربية يا ناس ! 

عدد المشاهدات 38

الكلمات المتعلقة :