مقالات عادل حمودة

كيف ينجو العرب بأنفسهم من مستنقع الحرب القادمة في كردستان؟

لندع تركيا وإيران تدمران قواتهما العسكرية وتحدان من توسعاتهما السياسية في حرب عصابات لن تنتصرا فيها!


عادل حمودة

  عادل حمودة يكتب
10/13/2017 8:58:26 PM

مصــانع الســلاح المعطــلة في الغرب تدق طبول الحرب بعد انتهاء الأزمة
السورية وغروب داعش لتدمير مخزون من الأسلحة يزيد علي 300 مليار دولار
نجيب محفوظ اقتبس شخصية »سي السيد»‬
من زوج شقيقته زينب وهو كردي هاجرت عائلته من أربيل وسكنت حي الغورية!
تعــرض أكــراد العــراق وتركيا إلي مــذابح وتهجيــر قســري وغــارات
بالسلاح الكيماوي وانتحرت نساؤهن انتحاراً جماعياً حتي لا يغتصبن
إســـــــرائيل تـــــــدعم عـــــــودة كردســــــــتان لتصـــــــبح شــــــــوكة في ظهـــــــر إيــــــــــــــران
والولايات المتحدة تقبل بها والعراق يخشاها لوجود 40 ٪ من النفط في أرضها


لم يقدر مرافقنا الكردي عدنان أوغلو علي النطق بحقيقة ما جري لنا فكدنا أن نتهم في قضية تجسس.
كان عدنان أوغلو مكلفا من وزارة الإعلام التركية بتسهيل مهمتنا الصحفية في وقت صعب انقلب فيه الجنرال كنعان أفرين علي السلطة المدنية ووضع تركيا تحت الحكم العسكري بكل القسوة التي اشتهر بها هناك. . ما أن خرجنا من فندقنا في أنقرة حتي طلب زميلي المصور الرومانسي عاصم الصبان إيقاف السيارة ليلتقط مشهد الشمس المتوارية خلف الضباب في قمة الطريق الجبلي الذي بدا ملامسا للسماء.. لكن ما أن أخذت السيارة في الصعود حتي اكتشفنا أن الشمس التي صورناها تخفي وراءها قيادة أركان القوات المسلحة.. وقادنا الحرس بفوهات البنادق إلي ضابط الأمن المسئول دون أن نشعر بالقلق فمعنا شاهد من الحكومة يستطيع بكلمات قليلة منه أن يخرجنا من هذه الورطة بمجرد أن يدلي بشهادته ولكن عدنان أوغلو لم يجرؤ علي الكلام مثله مثل 14 مليون كردي يعيشون تحت القهر في تركيا.

ولولا الاتصالات التي أجراها صلاح حافظ ــ وهو في الفندق ــ برئيس الأركان طالبا فحص الصور الملتقطة لكنا قد اتهمنا في قضية تجسس ووجدنا أنفسنا في أسوأ سجون العالم.

لقد عاني أكراد تركيا من حملات الإبادة والتطهير العرقي والتهجير القسري وطمس هويتهم وإلغاء لغتهم ومنعهم من ارتداء زيهم القومي رغم أنهم يشكلون نحو 15 % من السكان.

واجه الأكراد هناك سنوات عصيبة حتي عند وصول كمال أتاتورك إلي السلطة بعد سقوط الدولة العثمانية رغم أن الميثاق الوطني الذي أصدره ينص علي احترام حقوق الأقليات لكنه لم يتردد في فرض سياسة شرسة لصهر الأقليات في الجسم التركي الكبير وهو ما أدي إلي انتفاضات كردية متعددة انتهت بتدمير مئات القري الكردية وقتل الالاف من أهلها وترحيلهم قسرا إلي أماكن أخري وتوطين أتراك مكانهم وفي كثير من الأحيان لم يتردد الجيش التركي في استخدام الغازات السامة علي نطاق واسع ضد الأكراد بجانب ضربهم بالطائرات والمدفعية الثقيلة كما فعل مع الأرمن.

وفي كثير من الأحيان أحرقت قري الأكراد وغاباتهم وحصدت أرواح حتي الذين استسلموا للقوات التركية واضطرت مئات من النساء إلي الانتحار الجماعي بإلقاء أنفسهن في نهر منور قبل أن تطولهن أيدي الجنود الأتراك ويتعرضن للاغتصاب والانتهاك.

ومنعت تركيا الزي الوطني للأكراد وحرمتهم من تعلم لغتهم واعتقلت وقتلت من يعزف موسيقاهم وأطلقت عليهم »‬ سكان الجبال »‬ وقلعت مليون ونصف منهم وأسكنتهم في أواسط الأناضول بعيدا عن مسقط رأسهم.

ولم يكن أكراد العراق (15 مليونا) وإيران (7 ملايين) وسوريا (مليون نسمة) أفضل حظا من أكراد تركيا.
وهناك جاليات كردية محدودة في لبنان وروسيا واذربيجان وأرمينيا وجورجيا وبريطانيا وسويسرا وهولندا والنمسا يقترب عددها من الثلاثة ملايين نسمة ليصل مجموع الأكراد في العالم إلي أربعين مليون نسمة.

لقد بدأ تاريخ كل هؤلاء قبل ثلاثة ألاف سنة في دولة موحدة مستقلة سميت »‬ كردستان »‬ تقع في المنطقة المحصورة بين روسيا وإيران والعراق وسوريا وبلغت مساحتها 410 آلاف كيلومتر مربع أي أنها أكبر من بريطانيا وهولندا وبليجيكا وسويسرا والدنمارك مجتمعة وترتفع فوق سطح الأرض بأكثر من ألف متر وتتخللها أنهار عديدة منها دجلة والفرات.

وما أن دخلت الإسلام قبل 13 قرنا حتي تاثرت بالثقافة العربية وإن احتفظت بلغتها الخاصة ويصعب علينا بالقطع ان ننسي أن صلاح الدين الأيوبي ولد علي أرضها في قبيلة رأوند (إقليم يارفان) وخرج من شعبها ليطرد الصليبيين من القدس ويوحد مصر والشام والحجاز والعراق ويؤسس الدولة الأيوبية ونقل مصر من الشيعة إلي السنة قبل أن يموت ويدفن في دمشق تحت أرض الجامع الأموي.

وهناك شخصية شهيرة أخري.. شخصية السيد أحمد عبد الجواد ــ أو »‬سي السيد» ــ التي أقتبسها نجيب محفوظ من زوج شقيقته زينب وكان كرديا هاجرت عائلته إلي مصر واستقرت في الغورية.  
وطوال حكم الدولة العثمانية لم يشعر الأكراد بالغربة في وطنهم الذي كان موحد جغرافيا وإن كان خاضعا سياسيا لحكم الباب العالي في الاستانة التي لم يكن ليهمها سوي تلقي الجزية من الولايات الخاضعة لها ومنها كردستان.

لكن.. ما أن خرجت الدولة العثمانية منهكة ومريضة بعد الحرب العالمية الأولي حتي قسمت أراضيها بين بريطانيا وفرنسا حسب ما نعرف من معاهدة سايكس بيكو التي قسمت كردستان إلي خمسة قطع ضمتها للدول الخمس.. وفي تلك اللحظة بدأت مأساة الأكراد.

لم يتوقف الأكراد عن كفاحهم من أجل الاستقلال الذاتي في الدول التي قسمت أرضهم عليها ولم تفلح إلا محاولة واحدة في إيران.

بعد دخول قوات الحلفاء ( البريطانية والفرنسية والسوفيتية ) المنتصرة في الحرب العالمية الثانية إلي إيران شجعت موسكو الأقليات في المناطق الخاضعة لها ووافقت في عام 1946 علي قيام جمهورية مهاباد الكردية لكن تلك الجمهورية لم تستمر سوي سنة واحدة.. فما أن انسحبت القوات السوفيتية من شمال العراق قامت قوات الشاه محمد رضا بهلوي  بمعاونة البريطانيين والأمريكيين ــ بمهاجمة جمهورية مهاباد وألقت القبض علي زعمائها وأعدمتهم ولكن إحدي الشخصيات البارزة في تلك الحركة الاستقلالية نجح مصطفي البارزاني هو و500 مقاتل في الفرار عبر الحدود إلي الاتحاد السوفيتي وظل هناك حتي قامت ثورة يوليو عام 1958 في العراق فعاد إلي وطنه في أربيل بعد 12 عاما في المنفي.
والحقيقة أن العراق في ظل الملكية كانت الدولة الوحيدة التي أعترفت بالقومية الكردية وسمحت باستخدام اللغة الكردية في التعليم والإعلام ولكن ما أن قام عبد الكريم قاسم بثورته حتي طارد كل الأحزاب السياسية بما فيها الأحزاب الكردية وظلت تلك المطاردة مستمرة بعد سقوط عبد الكريم قاسم وتولي عبد السلام عارف السلطة.

لكن ما أن وصل البعث ممثلا في أحمد حسن البكر إلي الحكم حتي أرسل عزيز شريف للتفاوض مع مصطفي البارزاني ليصلا إلي اتفاق في 11 مارس 1970 ينص علي 15 مادة تعترف باللغة الكوردية وبمشاركة الأكراد في الحكومة المركزية وبأن يكون أحد نواب الرئيس كرديا بجانب مشاركة الأكراد في السلطة التشريعية.

لكن ذلك الاتفاق لم يكتب له النجاح أكثر من خمس سنوات لجأ البارزاني بعدها إلي إيران ولحق به 35 ألف مقاتل من البشمة ركه إلي جانب 150 ألف رجل وامرأة ليعلن المقاومة ضد العراق من الدولة المعادية لها فلم تتردد الحكومة العراقية في إعدام 227 من قيادات الأكراد ردا علي حرب العصابات التي شنت ضد قواتها المسلحة.

من جديد عادت المفاوضات ــ في عام 1984 ــ بين البارزاني والنظام العراقي لإعادة النظر في مشروع الحكم الذاتي بما يجعله معبرا عن كل الفصائل الكردية ولكن لم يكتب لتلك المفاوضات النجاح خاصة وأن الأكراد إنحازوا إلي إيران في الحرب التي اشتعلت بينها وبين العراق واستمرت 8 سنوات.

وما أن انتهت تلك الحرب حتي قرر صدام حسين ــ في 15 إبريل 1987 ــ الانتقام من الأكراد باستخدام الأسلحة الكيماوية السامة في ضرب أربيل والقري المحيطة بها فمات خمسة ألاف وفر خمسين ألفا وفي 16 مارس 1988 وقعت غارة أخري بنفس الأسلحة علي مدينة حلبجة لتتكرر الماساة ذاتها وبشعور صدام حسين بالانتصار أصدر ــ في 6 سبتمبر 1988 ــ عفوا عن الأكراد الفارين إلي تركيا وإيران فعادوا إلي موطنهم في شمال العراق.

بعد حرب تحرير الكويت ( فبراير 1991 ) بعدة أشهر وبالتحديد في 7 مايو 1991 أجبر صدام حسين علي منح الأكراد حكما ذاتيا بعد مفاوضات قادة من الجانب الكردي مسعود البارزاني وإن رفض صدام حسين اعتبار كركوك ( حيث أكبر حقول النفط ) كوردية كما رفض القبول بضمانات دولية لتنفيذ الاتفاق بين الطرفين.

علي أن الأكراد لم يقنعوا بالحكم الذاتي الذي نالوه تحت جناحي الحكومة العراقية وطالب جلال طالباني الأمين العام للاتحاد الوطني الكردستاني  في 5 فبراير 1993 ــ اليهود في جميع أنحاء العالم بما في ذلك إسرائيل بمساعدة الشعب الكردي الذي يتعرض للإبادة.

وبتلك التصريحات أصبح جلال طالباني شخصية ملفتة للنظر ومؤثرة في العراق فقد أختير عضوا في مجلس الحكم الانتقالي العراقي الذي تأسس بعد الإطاحة بنظام صدام حسين ليشغل بعد ذلك منصب رئيس الجمهورية مرتين.

وقد أبدي جلال طالباني اعتراضه علي الاستفتاء الذي صوت فيه أكراد العراق يوم 26 سبتمبر الماضي بنسبة 92 % للانفصال عن الدولة المركزية في بغداد ولكن القدر لم يمهله تغيير ما حدث فقد توفي بعد عدة أيام في 3 أكتوبر الجاري.

شارك في الاستفتاء ثلاثة ملايين ناخب محدثين إنقلابا سياسيا في الشرق الأوسط.. ربما يزيد من حالة الفوضي القائمة.. وربما يفتح جبهات جديدة للحروب فيها.. خاصة بعد أن أوشكت الحرب في سوريا علي الانتهاء.. وفقدت داعش الكثير من وجودها علي الأرض ولحقت بالقاعدة وراء الغروب.. وقدرت الأسلحة التي وضعت في مخازن الجيوش بخمسائة مليار دولار.. وأصبح من الضروري إستهلاكها لتدور مصانع السلاح المعطلة في الغرب من جديد.

ورغم أن الأكراد مستعدون للتفاوض مع تركيا والعراق وإيران إلا أنهم غير مستعدين للتنازل عن حلم الدولة المستقلة لتنضم كردستان إلي قائمة الدول التي تنتهي بكلمة ستان.. أفغانستان وطاجستان وأذربيجان مثلا.

وفي مواجهة نتيجة الاستفتاء أغلقت تركيا والعراق حدودهما مع أربيل التي لا تملك منفذا علي البحر وقامتا بمناورات مشتركة سميت »‬ العين الحمراء »‬ بينما استسلمت سوريا لما جري وهو أمر متوقع بعد أن أصبح للأكراد مكتب تمثيل في موسكو بجانب السفارة السورية هناك بما يعني أن روسيا منحازة للدولة الكردية مثلها مثل الولايات المتحدة وفرنسا واليونان وبولندا والسويد والأردن وبلجيكا وبلغاريا وقبلها إسرائيل التي لن تتردد في مساعدة إربيل عسكريا في مواجهة إيران التي تريد إسرائيل إضعافها ووقف زحفها وتوسعها.

وكانت إيران قد أوقفت رحلاتها الجوية من وإلي أربيل للضغط علي الأكراد وطلب رئيس الحكومة العراقية حيدر العبادي من الأكراد تسليم المطارات التي علي أرضهم للسلطة العراقية.. لكن.. ما يثير قلق الحكومة العراقية أكثر إصرار الأكراد علي أن كركوك جزء من بلادهم وأرضهم.. وتنتج حقول النفط هناك 40 % من من النفط العراقي.. وآخر ما يمكن قبوله أن تتوقف إمدادات النفط من هناك.
 
وبصريح العبارة هددت المنظمات الشيعية الموالية لإيران ــ سواء في العراق أو خارجها ــ بالحرب علي الأكراد ووصفتها منظمة بدر بأنها »‬حتمي».

والمؤكد أن الولايات المتحدة مع الدولة الكردية المستقلة ولكنها تخشي أن تبعد النظر عن مواجهة ما تبقي من داعش.

وكانت أربيل قد ساهمت بقوة في إزاحة داعش عن مناطقها بدعم من قوات بريطانية وفرنسية لا تزال تعاونت مع مقاتلي البشمة ركة ( وتعني الذين لا يهابون الموت ) والذين لا يقل عددهم عن 200 ألف مقاتل.. وهم بارعون في حرب العصابات بحكم الطبيعة الجبلية لبلادهم.

وحسب بول ديفيس محلل المخابرات العسكرية المتقاعد في البنتاجون فإن الدولة الكردية المستقلة لن يكتب لها البقاء إلا إذا أعلنت الولايات المتحدة حمايتها لها ولو حدث ذلك ــ وهو أمر متوقع تماما ــ فإن إيران وتركيا والعراق قد تجد نفسها مجبرة علي الحرب وفي هذه الحالة سيسود التوتر المنطقة من جديد وإن أدي ذلك إلي إضعاف قوي إيران وتركيا وهو ما يصب في مصلحة الدول العربية التي تخشي من تمددهما وسيطرتهما علي المنطقة.

لكن.. المشكلة أن تجبر الولايات المتحدة الدول العربية علي الحرب نيابة عنها مع الأكراد.. في هذه الحالة لن تستفيد الدول العربية من فرصة تورط إيران وتركيا وحدهما في الحرب وستقاسم معهما الخسارة.

إن الدولة الكردية أمر واقع لا مفر منه لكن علي العرب التعامل معها بحنكة وخبرة وحكمة بأن يظلوا علي الحياد تاركين الحرب المستفيدين منها لغيرهم ويكفيهم ما نالوه من متاعب وصراعات أهلية وطائفية ومذهبية في دولهم.

ولو كنت من أحمد أبو الغيط أمين عام الجامعة العربية لشكلت لجنة سرية من الخبراء لدراسة الموقف بدقة وإبلاغ احتمالاته للدول الأعضاء قبل أن تسارع كل دولة علي حدة في اتخاذ قرار منفرد دون مشاورة الآخرين بما يزيد من حالة الخسارة التي نعيشها منذ سنوات عديدة.

لنتصرف هذه المرة بطريقة علمية ودون عشوائية حماية لمصالحنا القومية ولتكن هذه فرصة للجامعة العربية لكي تكون نافعة ومفيدة ربما لأول مرة في تاريخها.

المراجع :
1-  الملل والنحل والأعراق - هموم الأقليات في الوطن العربي - مركز ابن خلدون
2-  الدكتور عماد عبد السلام روءوف : دراسات وثائقية في تاريخ الكرد الحديث وحضارتهم
3-  جنكيزخان تشاندار : قطار الرافضين السريع.
4-  دكتور حامد محمود عيسي : المشكلة الكردية في الشرق الأوسط.

عدد المشاهدات 426

الكلمات المتعلقة :