مقالات عادل حمودة

انكسار الحياة في مركز إيواء اللاجئين علي أرض مطار هتلر المهجور !


عادل حمودة

  عادل حمودة يكتب من برلين
11/17/2017 8:17:23 PM


الخلافات السياسية حول قضية اللاجئين تعطل تشكيل الحكومة الألمانية الجديدة وتهدد بانتخابات جديدة 
السلطات تبحث عن 30 ألف لاجئ إختفوا دون أن تملك معلومات عنهم بينهم ألف شخص شديد الخطورة
عصابات تهريب البشر ترشو الشرطة في تركيا وأردوجان يحصل علي 6 مليارات دولار من ألمانيا حتي لا يفتح بوابات الهجرة إليها !
التنظيمات الإرهابية في ليبيا تتحالف مع عصابات التهريب وتحميها وتقتسم معها الأموال التي تجنيها !
مصر نجحت في منع كل رحلات الهجرة غير الشرعية إلي أوروبا من نحو العام !
وزير داخلية ولاية »بادي فورايبرج»‬ الجنوبية يقترح ترحيل
500 ألف لاجئ ليعيشوا في مراكز إيواء تنشأ علي أرض مصر !
انقلبت الصحافة الألمانية علي اللاجئين بعد واقعة التحرش الجماعي التي اتهموا فيها ليلة رأس السنة في العام الماضي !


لم أستطع تحمل الرياح شديدة البرودة وأنا أقف أمام مهبط مطار »‬ تيمل هولي »‬ الذي تحول إلي مركز من المراكز المئة لأيواء اللاجئين في برلين وحدها بخلاف مراكز المدن الأخري.

بدأ إنشاء المطار في عام 1920.. لكنه.. لم يكتمل إلا بعد ثماني سنوات.. ليصبح المطار المفضل لدي هتلر خلال فترة حكمه.. وهو ما جعل طائرات الحلفاء تدمر ممراته قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية.

لم يعد المطار يستخدم في السفر ولكنه كان ــ بحكم مساحته الشاسعة ــ أصبح مكانا مناسبا لاستقبال اللاجئين الذين جاءوا إلي ألمانيا.. من دول في أقصي الشرق مثل باكستان وأفغانستان إلي دول في  أقصي الجنوب مثل نيجريا وتشاد جبل طارق.. وفي الوسط دول الشرق الأوسط.. سوريا والعراق واليمن.. ومنها جاء العدد الأكبر من اللاجئين.

في نحو عامين دخل المانيا مليون و300 ألف لاجئ وهو ما لم يحدث من قبل فيها أو في غيرها.. صحيح أن ربع سكان ألمانيا من أصول أجنبية.. لكن.. صحيح أيضا أنهم جاءوا إليها علي فترات متباعدة.. ودخلها غالبيتهم بطرق شرعية.

تتولي الإشراف علي مركز إيواء المطار وإدارته شركة تمايا التي تكونت عام 2014 بعد موجات اللجوء إلي ألمانيا لكنها لا تستطيع أن تتجاوز تعليمات »‬ المفوضية العليا للاجئين »‬ صاحبة السلطة العليا والوحيد في هذا الملف.

في المطار سبع أماكن شاسعة كانت من قبل صالات للسفر يستخدم منها ثلاثة لإيواء اللاجئين بعد أن بنيت داخلها كبائن خشبية بيضاء بلا أبواب بعضها يضم 25 سريرا بجانب حمامات وملاعب ومطعم وناد  اجتماعي ومكتب للاستشارات النفسية وعيادة صحية.

وبجانب توافر النوم والطعام بلا مقابل يحصل المقيم هنا علي 130 يورو شهريا يستخدمها الرجال في شراء السجائر وتستخدمها النساء في شراء المكياج عادة.

لكن.. الأهم.. مركز استقبال اللاجئ قبل دخوله.. حيث يجري الكشف عليه طبيا.. وأمنيا.. ولو لم يكن يحمل جواز سفر أو بطاقة هوية يتعرض لأختبارات كشف الهوية والجنسية.. بجانب أخذ البصمات.. وتصويره من زوايا مختلفة.. تمهيدا لعرض طلب الهجرة إلي الجهة المختصة التي ستحدد مصيره.. يبقي أم يرحل ؟.. يقبل بلا إعتراض أو يلجأ إلي القضاء ؟.

ولو كان قرار الرحيل صعبا فإن الأصعب منه قرار البقاء.

جلست إلي محمد في الكانتين استمع إلي حكايته بعد أن سمح لي بتصويره فاستخدام الكاميرا ممنوع إلا بموافقة مسبقة من أصحاب الشأن.

محمد لاجئ عراقي من الموصل.. لم يحصل إلا علي الابتدائية.. وعمل لبعض الوقت في وزارة الداخلية.. لكنه.. لم يحتمل الإنفجارات والإغتيالات التي ينفذها تنظيم الدولة ( داعش ) فقرر الهروب إلي أوروبا حاملا معه جواز سفره وساعده علي ذلك أنه غير متزوج وليس في رقبته زوجة او أطفال.
سافر إلي  بحثا عن إحدي العصابات العلنية التي تنفذ الهجرة غير الشرعية.. إن مكاتبها معروفة للشرطة.. لكنها.. قادرة علي شراء الذمم والضمائر الرسمية.. أخذوا منه 800 دولار.. مقابل ركوب قارب من تركيا إلي اليونان.. ويشهد أن خفر السواحل هناك تعاملوا بإنسانية.. بخلاف معاملة عصابات التهريب التي كانت لا تتوقف عن توجيه الإهانات وكثيرا من أفرادها كانوا يحملون اسلحة من طراز كلاشينكوف.
تركيا تتحكم في البوابة.. لو شاءت التنغيص علي أوروبا فتحتها.. ولو تسامحت معها أغلقتها.. ورغم توتر العلاقات بين تركيا وألمانيا بسبب اعتقال 8 صحفيين اتهموا بالتجسس فإن تركيا أغلقت البوابة بعد أن قبضت ستة مليارات يورو علي دفعتين وإن لم يوقف ذلك نشاط عصابات التهريب التي تقتسم مكاسبها السهلة مع الشرطة حسب شهادة محمد.

لكن حظ محمد أفضل من حظ حسام.. وحسام سوري هرب من الموت ومعه زوجته وأولاده إلي تركيا ليحاول التوجه إلي أوروبا لكنه فشل ولم يتردد في السفر إلي السعودية حيث يعمل والده هناك ولكن تأشيرة الدخول كانت من نصيب زوجته وأولاده فقط ولسبب ما لم يحظ بها حسب ما سمعت منه بعد أن تعرف علي في أحد مقاهي برلين.

من جديد سعي حسام إلي أوروبا ونجح هذه المرة في ركوب قارب صغير توقف في المياه ثلاثة أيام قبل أن يصل إلي اليونان.. وبصعوبة شديدة وصل في سفنية كبري إلي أيطاليا.. ومنها بالقطار إلي النمسا.. وما أن دخلت ألمانيا حتي بدأت معاناة من نوع مختلف.

لا ترحب الولايات الشرقية بالأجانب.. فهم يكرهون الأجانب.. متصورين أنهم سيأخذون منهم فرص عملهم.. ولتراث الإلحاد الذي ساد في سنوات الشيوعية أثناء تقسيم ألمانيا عبروا عن كراهيتهم للمسلمين.. ما أن يسمعوا أحد اللاجئين يتحدث بالعربية حتي يمطروه بكلمات بذيئة.. يصعب ذكرها.. ولا يترددون في نزع الحجاب من فوق رأس من تستعمله.. وكثيرا ما القيت قنابل حارقة علي بيوت أسر مهاجرة.. وفي الوقت نفسه لا تسمح السلطات لغالبية اللاجئين بحرية التنقل.. كما أن كثيرا منهم لا يعرفون اللغة الألمانية مما يزيد الوضع صعوبة.

لم يجد حسام نفسه في الجنة وإنما أجبر علي التعايش في جحيم من نوع آخر غير الجحيم الذي جاء منه.. وهو يتمني أن يكون مثل أصدقاء عراقيين اقتسم معهم المعاناة ويقرر مثلهم العودة إلي الوطن.. »‬ هم لهم وطن يعودون إليه أما انا فوطني كتلة من لهب تزداد اشتعالا بمرور الأيام .

توافد عشرات العراقيين علي شركات الطيران بعد أن اقترض بعضهم ثمن تذكرة العودة أو باعت زوجته ما تملك من حلي لسداد ثمنها.. إن نار الوطن علي ما يبدو أفضل من جنة المهجر.

أكثر من ذلك طالبت زعيم حزب »‬ البلديل من أجل ألمانيا »‬ فراوكة بيتري بترحيل اللاجئين السورين فورا من البلاد فهم مسلمون محافظون يرفضون الاختلاط ويحتقرون الشواذ مما يصعب معهم الإندماج في المجتمع الألماني بقيمه المختلفة والمتناقضة عن المجتمع الإسلامي وفي الملصقات التي وضعوها في الشوارع صورة امرأة بالبكيني وكتبوا تحتها »‬ المانيا قبل اللاجئين » وبجانبها صورة امرأة منتقبة وكتبوا تحتها »‬ ألمانيا بعد اللاجئين » وفي بوستر آخر فيه نفس الصورتين كتبت عبارة: »‬ أي ألمانيا تريد» ؟.

 وحزب »‬ البلديل »‬ يميني متشدد نجح بسبب تخويف الألمان من اللاجئين في أن يحقق المركز الثالث في نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة بنسبة (20.5 %) بعد الحزب المسيحي الديمقراطي (حزب إنجيلا ميركل) وحليفه الحزب المسيحي الإجتماعي البفاري (41.5 %) والحزب الاشتراكي الديمقراطي (25.7 %) وبسبب رفض الحزب الاشتراكي التحالف المعتاد مع الحزب المسيحي الديمقراطي لم يعد أمام ميركل للبقاء في الحكم لمدة رابعة سوي التحالف مع حزب الخضر (9.4 %) مما صعب تشكيل الحكومة في حالة غير مسبوقة في ألمانيا.. فأحزاب الائتلاف تختلف بشدة حول وضع اللاجئين.. فهناك أحزاب تطالب بطردهم وبجانبها أحزاب تطالب بأن يحضروا عائلاتهم.. وهو ما تسبب في تأخر تشكيل الحكومة نحو ثلاثة شهور.. والأخطر.. أن عدم توصل الأحزاب الأربعة المؤتلفة إلي حلول للخلافات الحادة حول توزيع الحقائب الوزارية يهدد بانتخابات جديدة.. وهو ما لا تريده تلك الأحزاب.

 كانت ميركل قد أعلنت قبل عامين عن فتح أبواب المانيا أمام المهاجرين مستجيبة للصحف الكبري وقنوات التلفزيون المؤثرة التي ظلت تتحدث بإفراط عن المعاناة الإنسانية للاجئين.. يكفي أن نذكر أن صحيفة زود دويتشه الأكثر تأثيرا في الرأي العام خصصت في ذلك الوقت خمس صفحات عن المأساة التي يعيشها اللاجئون.. ونافستها صحيفة دي فيلت الأكثر تأثيرا في السياسة الخارجية.. وراحت صحيفة بيلد الشعبية والأكثر توزيعا تنشر قصصا موجعة حننت قلوب الألمان عن اللاجئين.

 وتصورت ميركل أنها بما فعلت ستكسب الإنتخابات بنسبة لم تحققها من قبل.. لكنها.. لم تحقق ما تصورت.. فقضية اللاجئين التي راهنت عليها هي نفسها القضية التي هددت بالقضاء عليها.. لتكون فترة حكمها القادمة هي الفترة الأخيرة.

لقد استقبلت المانيا في شهور قليلة أعدادا غير مسبوقة من اللاجئين ولكن حكومتها لم تستطع أن تستوعبهم أو تحل مشاكلهم مما شجع اليمين ( حزب البديل ) علي النيل منها والصعود علي أكتافها.

حسب صحيفة بيلد ( يوم 2 نوفمبر ) فإن نحو 30 الف لاجئ أختفوا بعد أن رفضت السلطات طلبات لجوئهم.. ولا تعرف السلطات شيئا عن مكانهم.. وتوصلت الصحيفة إلي هذا الرقم من خلال حساب الفرق بين عدد الجانب الملزمين بمغادرة ألمانيا وعدد الأجانب الذين يحصلون علي مساعدات إجتماعية منهم.

في ديسمبر 2016 جري تسجيل 54 ألف شخص علي أنهم ملزمون بمغادرة ألمانيا ولكن لم يرصد منهم سوي 23 ألف شخص ولفشل الحكومة في معرفة أماكن المختفين نالت انتقادات حادة لم تستطع الرد عليها.

وحسب مكتب الإحصاء الفيدرالي في مدينة فيسبادن فإن حوالي 1.6 مليون شخص طلبوا اللجوء إلي ألمانيا في العام الماضي وهو ما يعادل 16٪  من مجموع الأجانب في البلاد وبزيادة قدرها 816 ألفا عما كان عليه الحال في نهاية عام 2014.

ومعظم اللاجئين من سوريا ( 455 ألفا ) وأفغانستان ( 191 الفا ) والعراق ( 156 ألفا ) ولكن نصفهم لا تنطبق عليه الشروط والنصف الآخر لم يبت في طلبه مما عقد من قضية المهاجرين الجدد إلي ألمانيا.

وحسب التقديرات الأمنية فإن بين اللاجئين ما بين 700 و900 قيادة خطرة من قيادات التنظيمات الإرهابية لا يستعبد أن تقوم بعمليات إرهابية.

وحدث يوم 17 نوفمبر عام 2016 أن الغيت مباراة في كرة القدم بين منتخب ألمانيا ومنتخب إيطاليا قبل أن يطلق الحكم صفارة البداية وطلبت السلطات من الجمهور أن يغادر الاستاد في هدوء دون تبرير ما حدث ولكن كان من استنتاج السبب.. الكشف عن عملية إرهابية في اللحظات الأخيرة قبل تنفيذها.

وبالقطع.. أغلقت ميركل سياسة الباب المفتوح.. واقترح توماس ستربول ( وزير داخلية ولاية بادي فورابيرج الجنوبية ) خطة لترحيل 500 ألف لاجئ إلي مراكز إيواء عاجل تفتح في مصر.. لكن.. لا أحد يعرف مصير تلك الخطة.

والحقيقة أن مصر ساعدت أوروبا في تقليص حجم الهجرة غير الشرعية التي تتسلل إليها من شمال أفريقيا.. خاصة من ليبيا.. حيث تعمل عصابات تهريب البشر بحرية تحت حماية التنظيمات الإرهابية وتقتسم معها الأموال التي تجنيها.. وهي أموال طائلة.. فاللاجئون هنا ليسوا ضحايا حرب.. أو هاربون من مناطق توتر يصعب العيش فيها وإنما هم ينتمون لشرائح من الطبقات الوسطي التي تحلم بالهجرة إلي أوروبا لتحقق الرفاهية التي تحلم بها.. وتوصف هذه الهجرة بالهجرة الاقتصادية.. ويكفي القول أن الإعانة الشهرية التي تقدم للمهاجر ثلاثة أضعاف دخله في بلاده.

نجحت مصر في منع كل محاولات سفن الهجرة غير الشرعية في البحر المتوسط منذ ما يقرب من العام وساعدها علي ذلك القطع البحرية التي حصلت عليها من ألمانيا.

لكن.. الأهم أن مصر ترفض فكرة مراكز الإيواء.. فكل اللاجئين علي أرضها يعيشون وسط شعبها.. ويتمتعون بحرية التنقل دائما.. والعمل أحيانا.

وفي الوقت الذي قررت فيه ميركل رفع الدعم المالي لللاجيء الذي يعيش خارج مراكز الإيواء إلي 670 يورو شهريا من العام القادم وهو ما يكلفها 850 مليون يورو فإنها في الوقت نفسه وضعت برنامج ترحيل طوعي تقدم من خلاله مبلغا ماليا لكل من يريد أن يترك بلادها بنفسه.

ولم يتردد رئيس إتحاد الصناعات أولر جربللو في الترحيب بمزيد من اللاجئين قائلا: »‬ سنساعدهم ونساعد أنفسنا »‬ في إشارة واضحة إلي أن اللاجئين سيسدون عجزا متوقعا في العمالة خلال سنوات قليلة ربما يؤدي إلي توقف ماكينات كثير من المصانع عن الدوران.

لكن.. المشكلة في أن غالبية اللاجئين غير مدربين وغير مؤهلين ويحتاجون إلي برامج لتعليم اللغة بجانب دورات التدريب المهني والتكنولوجي.

علي أن تيار اليمين المتصاعد يشن حملات شرسة تجاه اللاجئين وينسب إليهم كل الشرور والجرائم مستغلا حادث تحرش جماعي حدث ليلة رأس السنة الماضية واتهم فيه عدد من المهاجرين من جنسيات مختلفة وهو ما أفزع كثير من العائلات الألمانية التي تخشي من تكرار ما حدث حتي أن كريستيان هوفمان ( وهي صحيفة في مجلة شبيجل متخصصة في الشرق الأوسط)  قالت لي: »‬إن التحرش بالنسبة للمجتمعات الأوربية أسوا من العمليات الإرهابية ».

وربما.. كانت قصة المهاجر السوري أنطونيو سليمان هي القصة الإيجابية الوحيدة التي تحمست لنشرها الصحف الألمانية.

 كان أنطونيو يحلم بأن يكون ممثلا مسرحيا في سوريا لكن الحرب لم تمنحه الفرصة للتعبير عن مواهبه فلم يتردد مع الطلقات الأولي في أن يهاجر إلي ألمانيا ليحترف التمثيل في أفلام البورنو ( العارية ) قائلا: إنه »‬ أراد أن يثبت أن الجسد خلق للحياة وليس للموت » لكنه لم يسلم من تهديدات بالقتل من مهاجرين آخرين وجدوا في مهنته عارا يجب إزالته.

من المؤكد أنني عندما زرت مركز إيواء اللاجئين في مطار تيمل هولي ورأيت كيف يعيشون منكسرين فيه وسمعت ما تعرضوا من أهوال حتي وصلوا إليه حمدت الله علي أن مصر لا تزال سليمة متماسكة بعد أن نسفت المخططات التي وضعت لها وتربصت بها.

عدد المشاهدات 327

الكلمات المتعلقة :