مقالات عادل حمودة

أخبار اليوم تنشر صفحات من مذكرات عادل حموده «٢٨»


عادل حموده

  
7/20/2018 9:37:30 PM

مبارك يرفض تعديل قانون الصحافة ويقول »إحنا مابنبعش ترمس»‬!
أسامة الباز ناقش مع وحيد حامد وأنا علاج الأزمة علي النيل أمام طبق كباب وممبار !
مبارك كان يختار مستشاريه حسب الحاجة وعبر وسطاء حماية لهم من صراعات الكواليس في الرئاسة !
سألت فيروز :  لِمَ يبدو وجهك صارماً وأنت تغنين للحب وكأنك أبو الهول ؟  فاعتبرني عمارة أكثر الصحفيين الذين حاوروها استفزازاً !

صفوت الشريف المسئول الوحيد الذي لم يلجأ إلي القضاء وكان يتصل بخصومه لكسبهم !
قضيت سهرة رمادية في بيت فيروز بصحبة عبد المنعم عمارة وملكة جمال لبنان !
علي باب بيت فيروز رسم ابنها زياد نفسه وهوفي الحمام طالباً من الزوار عدم ضرب الجرس !



عندما أسمع فيروز تغني أشعر بأن صوتها الملائكي الشجاع المبلل بالعشق الصوفي يخلصنا من شدة جاذبية الأرض ويجعلنا أكثر اقترابا من الله .

 ليس سهلا أن تشرح لم نحب وجه امرأة أوملامح مدينة أوصوت فيروز .. الشروح غالبا ما تفسد الأشياء التي نقع أسري سحرها .

لكن يمكن القول إن صوت فيروز يتسلل إلي الوجدان العربي دون تأشيرة دخول لينهض معه كل ما هومحبط أومحطم ويتبعها .

وطوال سنوات الحرب الأهلية في لبنان كان المقاتلون المتصارعون لا يأخذون هدنة من الذبح والقنص إلا إذا غنت فقد كرهوا أنفسهم وأحبوه . وأحزنها ذلك كثيرا ولكنها أضافت : »‬ أنا مؤمنة بأن بلدي عليه ألا يموت » .

سمعت تلك الجملة منها عندما التقيتها في منتصف سبتمبر 1993 مع وزير الشباب وقتها الدكتور عبد المنعم عمارة .

ــ »‬ فيروز في انتظارنا مساء في بيتها بالجبل » .

 قالتها ملكة جمال لبنان سوسن السيد فلم نصدق أن ذلك يمكن أن يحدث بسهولة .. إنني أعرف أنها تعاند قدرها بصلابة تحسد عليها وتحاول القفز فوق ضربات القدر الموجعة برشاقة نفسية نادرة وتدخل في مصارعة يومية مع الاكتئاب وتنتصر عليه ولكن كيف تعيش كل أوجاعها ثم تبدع في الغناء ؟ هل الغناء علاج أيضا ؟ .

 السيارة الصغيرة تقطع المسافة بين فندق »‬ كورال بيتش » إلي الجبل في نصف ساعة تقريبا وفي تلك الساعة من الليل بدا الجبل مثل شجرة كريسماس في غير موسم الميلاد ويبدوبيت فيروز من الخارج أكثر تواضعا من بيوت الأثرياء حولها إنه فيلا صغيرة تقع في منطقة »‬ الرابية » مدخلها ضيق وعلي بابها لوحة رسمها ابنها زياد الرحباني لنفسه وهويجلس في الحمام يقضي حاجته ويطلب من الزوار ألا يضعوا أيديهم علي الجرس الكهربائي وأن يكتفوا بشد حبل الجرس اليدوي مرتين فقط .

 في الدور فوق الأرضي من الفيلا استقبلتنا فيروز .. بسيطة مثل الندي .. ترتدي جلبابا شرقيا بلون الفوشية مطرز بزخارف فضية بارزة .. وتركت شعرها الأصفر نافرا متمردا بلا قيود .

 أحسست أنها امتلأت قليلا وإن ما يزال الحزن النبيل يسكن عينيها ويحتل ملامحها ولكنه سرعان ما يتلاشي عندما تبتسم ابتـسامة صغيرة عابرة لا تدوم طويلا، ابتسامتها مثل شمس محاصرة بسماء رمادية الغيوم .. ليظل الشحوب في حياتها سيد الألوان .

 صالة الاستقبال تمتلئ بالمقاعد واللوحات والايقونات وكأنك في معبد وينبعث من جهاز »‬ ستريو» صوت نقي لموسيقي مثل ترانيم الكنائس .

 وعندما سألها عمارة عنها أجابت : »‬إنها موسيقي بيزنطية ولوأنصت إليها قليلا ستجد الألحان تتحول إلي صور ملونة من الطبيعة .. سماء زرقاء .. حقول قمح .. ورعاة فقراء ينتظرون معجزة لتملأ بطونهم الخاوية ولتحقق لهم العدل المفقود علي الأرض » .

 يقطع الصالة حاجز أبيض عليه صور ملونة لزوجها الراحل عاصي الرحباني ويبدوفيها وكأنه يعيش في زمن السيد المسيح .

 لقد فقدته بحساب وجودنا معها منذ سبع سنوات بعد نزيف مفاجئ في المخ .. فقدت الملحن العبقري الذي أحبته وجعل صوتها مدرسة متميزة في الغناء الشرقي ..، اوحت صوره بسؤال عن حياتها الخاصة الآن : »‬ هل فيها ما يثير الطموح أم أن الطموح اقتصر علي حياتها الفنية ؟ » .

 وكانت إجابتها : »‬ إن الإنسان العظيم هوالذي يحترق شوقا لمن يحب ونار الألم وحدها هي التي تجعل الفنان مبدعا وفي الحقيقة لم يعد لي سوي الطموح الفني إنه يشغلني كثيرا ويسبق طموحي العاطفي الذي اتصور أنه انحصر في شعور الأم الصديقة لابنها » .

 تميزت إجابتها بالتركيز والذكاء والسخرية الناعمة أحيانا بل يمكن القول إنها قليلة الكلام وهي ملاحظة سبقني إليها صلاح عبد الصبور عندما التقي بها في نفس البيت قبل نحوعشرين سنة من وجودنا معها وبعد أن جلس معها ثلاث ساعات لم يسمع منها سوي عشر كلمات وهوما جعل سوسن السيد تعتبرني محظوظا لأنها تكلمت معي أكثر من خمسمائة كلمة .

 ولا تحرك فيروز يديها وهي تتكلم ولا تتململ في مقعدها ولا تغير طبقات صوتها وإن كان صوتها وهي تتكلم أعرض من صوتها وهي تغني ثم أنها قادرة علي التحكم في نفسها ولا تعبر عن غضبها مهما كان السؤال استفزازيا .

 كان سؤالي المستفز إليها : لمَ تبدوملامح وجهك صارمة وأنت تغنين إن صوتك يهز المشاعر ويحرك الضمير ولكنك في الوقت نفسه تبدين مثل أبي الهول تتوجعين بالحب ؟ .

 قالت : ماذا تريد أن أفعل ؟ أن ابتسم ؟ أن ارقص ؟ إنني لا أري صورتي في المرآة عندما أغني إنني أندمج في الإحساس ولا أري ما حولي إنني أصلي ولا أغني .

 ابتسمت ابتسامة ساخرة واستطردت : الغناء حالة اختطاف تشعرني بالسمووكأنني أخذت الناس بعيدا إلي مكان غامض مثل السر .

 في المكان الذي كنا نجلس فيه جلس قبلنا مشاهير الطرب والسياسة والموسيقي في العالم العربي إن فيروز بالنسبة إليهم أحد معالم لبنان التي توجب زيارتها .

 قلت لها : إن إيقاع الدنيا يتغير حتي أصبح مجنونا ولا يمكن تجاوز جنونه إلا بجنون أكثر ولا يمكن مواجهة صخبه إلا بصخب أكبر والناس في عصر الراديوكانت تعطي أذنها للطرب ولكن في عصر التلفزيون سيطرت الصورة إنها طبيعة الأشياء وقد استجبت أنت لنداء العصر وسمعنا صوتك لأول مرة علي أنغام موسيقي الجاز منذ ثلاث سنوات بلحن من ابنك زياد .

 قالت : زياد فنان كبير ومنقذ الفن الآن وسيد مستقبله .

 وسألها عمارة : هل تسمعين الأصوات الجديدة ؟ .

 أجابت : نعم ولكن أصحابها يشعرون بأنهم ملكوا الدنيا من أول أغنية .

 قال : هل هوالغرور ؟ .

 قالت : النجاح الذي يأتي بسرعة يتبخر بسرعة .

 قال : لكنه نجاح مدوأحيانا .

 قالت : هم مثل الصودا .

 ولكن أغاني الصودا لا تزعجها فجيل العظماء في الموسيقي سيسود في النهاية حسب تقديرها ودليلها علي ذلك أن الناس في زمن أحمد عدوية لا تزال تسمع بتهوفن وأم كلثوم وأسمهان وفريد الأطرش وعبد الحليم حافظ وتسمعها .

 وليس لفيروز برنامج يومي ثابت وهي مثل اللبنانيين تحب السهر ــ مثل المصريين علي حد قولها ــ وهي مثل كبار المطربين تري أن النوم أفضل علاج لحنجرتها .

 وقبل أن تودعنا قدمت لنا فيروز حلوي النعناع بيدها وأصرت علي أن تترك بيتها وتنزل عشر درجات لتوصلنا إلي السيارة .

 ولا يزال الدكتور عبد المنعم عمارة يصر علي إنني أحرجتها دون أن يستوعب شعور الصحفي عندما يجلس أمام كنز مثل فيروز ولا يخرج منه بشئ .

 وقد سببت لي فيروز أزمة شعبية عندما قلت في برنامج تلفزيوني ( تقدمه مني الحسيني ) إنني أفضلها عن أم كلثوم »‬ فرغم قوة صوتها فإن إيقاعها البطئ وتكرار فقرات أغانيها لا يناسب حركتي السريعة »‬ ولكن مع مرور السنين تباطأ إيقاعي فرحت استمتع بصوتها وكأنها لا تطرب إلا الكبار فقط أوالذين يبقون طويلا في أماكنهم لا يتحركون .

 ومن حسن حظي أن شبكات التواصل الإجتماعي لم تكن قد اخترعت بعد وإلا وجدت من يطالب بسحب الجنسية مني وإن لم يمنع ذلك إنني تلقيت العتاب من كل من شاهد البرنامج بما في ذلك حارس العمارة وسائق التاكسي الذي لولا إعجابه بما أكتب (أحيانا ) ما كان قد سمح بركوبي سيارته بعدما قلت في حق »‬ الست » .

 في اليوم التالي لعودتي إلي القاهرة دعاني وزير الإعلام صفوت الشريف لحضور أول احتفال يقيمه لعيد الإعلاميين وكانت هدية مبارك للصحفيين في الكلمة التي ألقاها يومها هي التصديق علي قانون يقيد حرية الصحافة أقره بليل مجلس الشعب وعندما وجد في لحظتها من يطالب بإلغائه قال مبارك بطريقته الخاصة في التعبير : »‬ إحنا ما بنبعش ترمس » .

 ووصفت القانون بقانون »‬ اغتيال الصحافة »‬ وشاع الوصف فيما بعد وإن لم ينسب لنا .

 وتبنيت في روز اليوسف حملة للتخلص منه واستجبت لقرار الجمعية العمومية لنقابة الصحفيين بمقاطعة أخبار وصور كل من ساهم في إصدار القانون مثل الدكتورة فوزية عبد الستار رئيس اللجنة التشريعية وقبلها رئيس مجلس الشعب الدكتور فتحي سرور وهنا وقعت أزمة حادة بيني وبين محمود التهامي .

 حاول التهامي نشر صور واضعي القانون في مقاله الافتتاحي بدعوي أنه مسئول عما يكتب ولينفذ قرار المقاطعة علي باقي صفحات المجلة وكأنها مجلتان لها رأيان ورأسان ورفضت منطقه وهددت بالاستقالة لوأصر علي رأيه فتراجع عنه فلم يكن من السهل عليه التضحية بتجربة ناجحة تنسب إليه وطال انتظاره حتي وصل إليها .

 وقررت الجمعية العمومية للنقابة أنها في حالة انعقاد دائم حتي يسقط القانون وقرأ النقيب إبراهيم نافع رسالة شديدة اللهجة من هيكل إلي أعضاء الجمعية وصف فيها السلطة القائمة بأنها سلطة شاخت في مواقعها وأن القوانين لا تولد بليل وأن وعد السلطة بعدم تطبيقها وعد زائف فالقوانين وضعت لتنفذ .

 وبدأت محاولات هادئة وغير معلنة لتغيير القانون تولاها الدكتور أسامة الباز والتقيت به مع وحيد حامد في القرية النوبية المطلة علي نيل فندق ميرديان قبل تغيير اسمه إلي جراند حياة .

 أمام أطباق الكفتة والممبار والكباب اقترحت عليه أن يقنع الرئيس بالكف عن التصريحات المستفزة حول القانون وأن تشكل لجنة من كبار الصحفيين تعيد صياغة القانون وعندما اقترح اسمي بين أعضائها اعتذرت قائلا : »‬ أنا لا أملك موهبة العمل في هذا النوع من اللجان وتحمست لاختياره صلاح عيسي لإدارتها فهومن الكتاب القلائل المهتمين بتاريخ القوانين الصحفية ويمتلك قدرة متميزة علي الإقناع والتوافق بين الأطراف المتخاصمة ونجحت اللجنة في إعادة الأمور إلي ما كانت عليه وإن ظلت الصحافة مثيرة لقلق النظام ولم يكف يوما عن تقييد حريتها وحبس رجالها .

 ورغم العند الذي اشتهر به مبارك فإنه إستجاب لتغيير القانون وثبت بالفعل إن السلطة يمكن أن تبيع ترمس أحيانا .

 والحقيقة أن مبارك - علي عكس ما يشاع - كان يلجأ إلي مستشارين قبل إتخاذ قرار مهم وإن تغيروا من حالة إلي حالة كما أنه كان يلجأ إليهم سرا عبر وسطاء مقربين منه ويثق فيهم .
 مثلا كان يلجأ إلي أسامة الباز ــ لصلتي الوثيقة به ــ كي يناقشني في أمر ما لا يعجبه أولإقناعي بحقيقة ما غائبة عني فيما أكتب .

 وفي كثير من الأحيان كان الباز يستعين بلجنة مصغرة من خارج مؤسسة الحكم لتساعد الرئيس في اتخاذ قرارات لها تداعيات شعبية وشاركت بنفسي في لجنتين واحدة منها رفضت سفر مبارك إلي واشنطن لحضور احتفال فلسطيني إسرائيلي في البيت الأبيض وكان رأيي أننا سنكون كومبارسا في مناسبة لسنا طرفا في صناعتها وكانت المرة الأخري يوم قررت اللجنة أن يسافر الرئيس لتقديم العزاء في رئيس الحكومة الإسرائيلية إسحق رابين الذي اغتيل بعد توقيع اتفاق سلام مع ياسر عرفات ليلقي نفس مصير السادات وكانت وجهة نظرنا أن العالم كله يرقب العزاء بحكم تكنولوجيا الأقمار الصناعية ولا يجوز أن تكون مصر غائبة .

 ولوقبل أحد القيام بدور مستشار فإن عليه أن يضع نفسه مكان من يستشيره متخلصا من مواقفه الخاصة .

 وكان مبارك يري أن تلك الطريقة في وجود مستشارين غير معروفين ومتغيرين حسب المشكلة هي الطريقة الأفضل ليجنبهم صراعات الكواليس في الرئاسة ويبعدهم عن المنافقين الذين سيتقربون منهم .

 والمؤكد أن صراعات الكواليس في الرئاسة كانت شديدة وقاتلة ونجحت في الإطاحة بواحد من أفضل من عملوا مع مبارك وهوالدكتور مصطفي الفقي الذي يتمتع بخبرة سياسية لا يمكن إنكارها كما أنه يمتلك علاقات إجتماعية متعددة الدوائر ربما أضرته بقدر ما افادته .

 وما أن اختفي الباز من الرئاسة بصعود مجموعة جمال مبارك لجأ مبارك إلي سكرتيره الخاص اللواء أبوالوفا رشوان ليكون وسيطا بيني وبينه وفيما بعد في الإنتخابات التشريعية التي جرت عام 2005 وكسب فيها عدد من الإخوان طلب مني ترشيحا بالأسماء للعشرة الذين يعينهم الرئيس ليحدث التوازن المطلوب بين التيارات المختلفة وأرسلت إليه ما اراد ولكن لم يأخذ بها .

 وفجأة ودون مقدمات ظاهرة أطيح برشوان في صراع اتصور أن زكريا عزمي كان وراءه مما يعني أن التقرب من الرئيس قد يقضي علي أشد الناس إخلاصا له .

 وقد ظل رشوان وفيا لمبارك حتي بعد تنحيه وظل صامتا أمينا علي ما يعرف من أسرار بينما خرج العديد ممن عملوا في الرئاسة ليخترعوا قصصا لم يشهدوها بحكم أنهم كانوا علي الأطراف بعيدا عن المطبخ السياسي .

ولا شك أن دور الوساطة الذي لعبه صفوت الشريف بين الرئيس والصحفيين كان دورا مباشرا مؤثرا .
 أتذكر أن الشريف تنحي بي جانبا ليطلب مني الكف عن نشر حادث جلد طبيب مصري في الرياض دون أن يهتم بالهجوم علي قانون الصحافة الذي جري إقراره في الوقت نفسه وكانت حجته إن هناك ملايين من المصريين يعملون في السعودية ولا نريدهم أن يدفعوا ثمن حادث عابر .

والحقيقة أن الشريف كان مسئولا صبورا يسعي جاهدا لتحييد خصومه بعيدا عن ساحات القضاء التي كان يلجأ إليها كثير من الوزراء .

عدد المشاهدات 510

الكلمات المتعلقة :