مقالات عادل حمودة

أخبار اليوم تنشر صفحات من مذكرات عادل حموده »٣٢«


عادل حموده

  
8/17/2018 8:08:17 PM

الحياة السرية لرجال مبارك في سنوات رئاسته !

صافحت مبارك في بلير هاوس فقال لي : » أنت عادل حمودة دول شاوروا لي علي شخص آخر »‬ !


هناك حاكم يطمح لامتلاك الشمس وحاكم يقنع بتمرير الأيام في الظل
وهناك حاكم يهوي القفز فوق الأسوار العالية الشائكة وحاكم يؤثر السلامة ويظل في مكانه ثابتا .

وهناك حاكم يعرف كيف يواجه الخطر ويرفع له القبعة وحاكم موهوب في تأجيل المتاعب حتي يترك منصبه موتا أو سجنا أوتنحيا .

ويسهل علي أكثر العقول بساطة أن يحدد نوعية الحاكم التي فضل مبارك أن يكون عليها ولكن لوكانت النتيجة سلبية فإنها ليست في صالحنا فقد نجح في حكمنا ثلاثين سنة دون معارضة تهزه أو قوة تهدده ومن ثم فالسوء يصيبنا قبل أن يناله حتي لو تجمع كل الغضب ضده في أيام معدودة تنازل بعدها عن السلطة .

تسامح مبارك مع الانحرافات الشخصية لمساعديه.. وسمح بحوار عن مواصفات العشيقة المثالية في وجوده !

حاورت جورباتشوف في بيروت فوجدها مبارك فرصة لرفض التغيير حتي لا تتعرض مصر للسقوط علي الطريقة السوفيتية !

لم يكن مبارك عنيدا دائما.. فقد تراجع عن القوانين المقيدة للصحافة والنقابات الفنية !


مبارك موهوب في الخروج من المطبات بالصمت والتجاهل ولكنه ليس مؤذيا ولا يحارب خصومه في أرزاقهم ويميل للتسامح ولا يهوي الانتقام ولا ينسي الجميل ويعبر عن رضائه بحركة شهيرة يسحب فيها نفسا من الأنف والتواء الشفتين وشد الرقبة وعندما لا يعجبه ما يسمع من حديث يرد بكلمات ثقيلة أقتبسها علي ما يبدو من تخصصه في قيادة القاذفات الثقيلة للقنابل طراز توبولوف .

 ولا شك إنني تمتعت بحرية غير مسبوقة وانا أنتقد حكمه بشدة ولكنه كان يكتفي بالقول : »‬ إن قلمي ثقيل» .

ولم يكن يغضب مما يكتب إلا إذا مس عائلته ولكنه كان يكتفي بطلب التصحيح والتوضيح دون استخدام سلطاته في اللجوء إلي النيابات ومحاكم الجنايات .

ويمكن القول إنه يتمتع بخجل إنساني لا يخفيه وتشي به لغة جسده وهو يجلس أمامنا في الطائرة الرئاسية لاصقا فخذيه فاردا ساقيه ماسكا بكوب النعناع بكلتي يديه .

والاختلاف معه لا يعني القطيعة فهو يعرف مميزات خصومه قبل أنصاره ولا يتردد في الاستفادة منهم إذا ما دعت الضرورة إلي ذلك .

وبالعقل يقسم الناس إلي فريقين : فريق معه وفريق ضده ويصعب نقل أحد من فريق إلي الفريق الآخر مهما تغيرت المواقف .

 وبالقلب يقسم الناس إلي فريقين : فريق يحبه وفريق لا يطيقه فلو كره شخصا لا يحبه ولوأحب شخصا لا يكرهه .

ويحتاج التعامل معه إلي فهم شخصيته وهوما يفسر لم استمر مسئولون في حكمه ــ مثل فتحي سرور وكمال الشاذلي وزكريا عزمي وصفوت الشريف ــ معه سنوات وسنوات بينما لم تصمد شخصيات أخري سوي ساعات .

سمعت من فتحي سرور : إنه لم يكن ليفاتح مبارك في أمر ما إلا إذا تحدث فيه مبارك من تلقاء نفسه وإلا وجد تعليقا صارما لا يرضيه .

وفي عصر ساد فيه لقب »‬ الباشا » أطلق زكريا عزمي علي مبارك »‬ الباشا » الكبير .

والكلمة التي لم يكن مبارك يفضل سماعها هي كلمة التغيير وكانت حجته أن التغيير إذا لم يكن بطيئا وتدريجيا فإنه يصبح إنفجارا لا تحتمله البلاد ولا تقدر علي سداد فواتيره الاجتماعية والسياسية والأمنية لتصبح النتيجة الحتمية الوحيدة هي الفوضي وأمامنا ــ علي حد قوله ــ التجربة السوفيتية حاضرة وشاخصة : جمود إلي حد الجفاف وترهل إلي حد الشلل ثم قفزة مباغتة في الفراغ انتهت بسقوط صاخب تفتتت مع الإمبراطورية الشيوعية العظمي ليدخل العالم في مدار قوي أمريكية وحيدة ولو لعدة عقود قبل أن تسترد روسيا عافيتها وتعود للمنافسة والتوازن .

سألني مرة متهكما ــ وكنا علي متن الطائرة الرئاسية بعد رحلة نصف يوم إلي سوريا التقي فيها حافظ الأسد في قصر الشعب :

»‬ أخبار صاحبك جورباتشوف إيه ؟ ».

كنت قد نشرت في جريدة صوت الأمة حوارا أجريته في بيروت مع الزعيم السوفيتي الذي دمر بلاده بعد أن طالب بالمراجعة والمحاسبة والمصارحة فيما يعرف بالبروستريكا والجلاسنوست ولكن المراجعة انتهت إلي التقسيم والمصارحة أدت إلي التمزق وتناثرت الجمهوريات السوفيتية متباعدة ومتفرقة والمحاسبة انتهت إلي فوضي ومافيا وعصابات تتاجر في كل ما تصل إليه من فتيات الدعارة إلي القنابل النووية .

أما جورباتشوف الذي اتهم بأنه نفذ خطة جهزتها له المخابرات الغربية فراح يكسب الملايين من المحاضرات التي يلقيها في دول العالم المختلفة مقابل أجر لا يقل عن خمسين ألف دولار .

ووصل جورباتشوف إلي بيروت علي حساب جمعية وهمية تكونت باسم »‬ انستازيا » آخر أميرات عائلة رومانوف التي حكمت روسيا وذبحت الثورة البلشفية معظم أفرادها لتنجو انستازيا وحدها من ذلك المصير الدموي وكان هدف الجمعية إسترداد أموال أسرتها التي كانت قد وضعتها ذهبا في بنك إنجلترا قبيل التخلص منها وهي تقدر بملايين يصعب إحصاؤها سيكون للجمعية نصيب منها إذا ما ساعدت الأميرة الوحيدة في الحصول عليها .

نزل جورباتشوف في فندق فينسيا ( الجناح الرئاسي ) وكلفت الجمعية سامي عمارة المراسل الصحفي المقيم في موسكو بالترجمة بعد أن تكفلت برحلته إلي بيروت .

ورافقت جورباتشوف في زياراته الرسمية لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ورئيس البرلمان ولبعض القيادات السياسية مثل وليد جنبلاط الذي تناولنا طعام الغذاء في منطقته المسماه المختارة وكان والده كمال جنبلاط علي علاقة متينة بالإتحاد السوفيتي جعلت ابنه يستعرض معنا الأوسمة والنياشين التي حصل عليها من هناك ويحتفظ بها في غرفة خاصة .

ولاحظت أن جورباتشوف يتصرف مثل نجوم السينما فهو يعاكس الفتيات بجرأة في مصاعد الفندق ويشرب في شراسة حتي يفقد الوعي وحرصا علي ما تبقي من سمعته جاءوا إليه براقصة شرقية في جناحه بعد أن أقنعوه بأن ذهابه إلي كباريه سيكون فضيحة مغرية للصحف المحلية والدولية .

لم ينتظر مبارك إجابتي علي السؤال فهو لم يرغب في سماعها وإنما وجدها فرصة ليكرر علي مسامع رؤساء التحرير ومساعديه تحذيره المتكرر من مخاطر التغيير الضاغط علي نظامه من جماعات خارجية قبل المعارضة الداخلية فكان أن اضاف وهو ينظر ناحيتي :

»‬ لقد خرب صاحبك بلاده وقعد علي تلها وتاجر في سمعتها هل تعرف كم تقاضي في الاعلانات التجارية التي يروج لها ؟ أخذ ثلاثين مليون دولار في إعلان واحد عن حقائب النساء ( وكان يقصد حقائب لوي فيتون الشهيرة ) .

والحقيقة أن جورباتشوف لم يتقاض سنتا واحدا في تلك الإعلانات التي نشرتها مجلات تايم الأمريكية وباري ماتش الفرنسية فتلك الإعلانات كانت مجانية مشاركة منه في حملة مبيعات تذهب نسبة منها إلي منظمة اليونسيف لرعاية الأطفال وساندته في تلك الحملة الدعائية شخصيات شهيرة أخري مثل شين كونري ( أول من مثل دور جيمس بوند ) وأوبرا وينفري ( التليفزيونية الأمريكية ) .

ولكن موقف مبارك من التغيير دفعه لضرب جورباتشوف بحجارة التشهير .

 أول مرة قابلت فيها مبارك وجها لوجه كانت في بلير هاوس أو استراحة ضيوف الرئيس الأمريكي المقابلة للبيت الأبيض حين طلب مني صفوت الشريف أن اسافر إلي واشنطن لتغطية زيارة الرئيس إلي واشنطن في مارس عام 1994 مثلي مثل رؤساء التحرير رغم إنني كنت نائبا لرئيس التحرير وإن فوضت كاملا في صلاحيات رئيس التحرير .

قال الشريف يومها : »‬ ما دمت تمارس بالفعل المهمة الصحفية لرئيس التحرير فلم لا تستكملها بممارسة المهمة السياسية ؟ » .

ومنذ ذلك الوقت وأنا أعامل بروتوكوليا معاملة رئيس التحرير في الاحتفالات والدعوات والزيارات الرسمية دون التأثير علي محمود التهامي الذين اكتفوا علي ما يبدو بأن يكون رئيسا لمجلس الإدارة .

 ودخلت مع مبارك البيت الأبيض وحضرت مقابلاته مع رؤساء الولايات المتحدة خلال سنوات حكم : كلينتون وبوش وأوباما .

علي باب بلير هاوس ونحن نستعد للتفتيش تبادل سمير رجب ومحفوظ الأنصاري مزاحا ثقيلا أتهم فيه أحدهما الآخر بأنه إرهابي وفي ثوان تحولت الكوميديا إلي دراما وفوجئنا بعدد كثيف من رجال ونساء الأمن في حجم الأفيال مارسوا عملهم بخشونة حتي أطمأنوا بأنفسهم إلي خلونا من المفرقعات .

كان مبارك يحظي بحماية أكثر صرامة بسبب التنظيمات الإسلامية المتطرفة التي تهدد بإغتياله كان هوالضيف الوحيد الذي أغلق الطريق الرئيسي المؤدي إلي البيت الأبيض وهو يمر فيه عام 1993 بعد اكتشاف مؤامرة لتفجير موكبه .

كان في تلك الرحلة عبد العال الباقوري رئيس تحرير الاهالي ورؤوف توفيق رئيس تحرير صباح الخير بجانب رؤساء تحرير الصحف والمجلات القومية الذين اعتادوا مرافقة مبارك في رحلاته الخارجية .

ما إن صافحت مبارك في قاعة تاريخية بالمبني وقدمت له نفسي حتي فوجئت به يقول :

»‬ أنت بقي عادل حمودة دول شاوروا لي علي واحد تاني وقالوا إنه أنت ؟ »‬ .

واسقط في يدي وبحثت عن تفسير لتلك الجملة الغريبة متسائلا : هل قدموا شخصا آخر للرئيس علي إنه أنا ؟ هل هذا ممكن ؟ .

ولكن الدكتور اسامة الباز حاول فك طلاسم هذا اللغز قائلا :

»‬ الرئيس كان يمزح معك هذه طريقته في التبسط التي لا يفهمها إلا من يعرفونه عن قرب » .

وأضاف الباز :  إن مبارك لا يمزح إلا مع الذين يحبهم ويزداد المرح بزيادة الحب ».

وتقبلت التفسير عندما سمعت من رجال مقربين من مبارك أنه كان يسمح بحوارات شخصية تجري بين مساعديه ولو تجاوزت حدود اللياقة الواجبة في حضرة الرئيس .

الرئيس بشر يحتاج للتخفيف عن متاعب حكمه بحكايات مسلية تعيد إليه ما يسمي بسحر الحياة بعيدا عن السلطة .

وحدث أن دخل اثنان من كبار رجاله في جدل حول العشيقة المثالية هل يفضل أن تكون متزوجة أم وحيدة ؟ .

كان رأي الأكبر سنا والأرفع منصبا إن العشيقة المتزوجة لن تطارد عشيقها طلبا للزواج ولن تطالبه بالخروج والسهر معها وإلإ فضحت نفسها ولن تفرض عليه هدايا ثمينة وإلا سألها زوجها : من أين لك هذا ؟ .

وكان رأي الأصغر سنا والأوفر قيما أن العلاقة مع عشيقة متزوجة علاقة غير أخلاقية تمس طرفا ثالثا لا ذنب له هوالزوج .

علي أن هذا النوع من الدردشة يكشف عن تساهل في العلاقات غير الشرعية ليس مكروها في المؤسسة الرئاسية ولوكان البعض قد مارسها سرا فإن هناك من اشتهر بمطاردة كل ما يصادفه من النساء معتمدا علي ما تمتع به من سلطة تحميه من التشهير والمحاسبة .

سمعت من مسئول أمني أن أحد رجال مبارك الذي عرف بتعدد علاقاته كاد أن يتورط في قضية تجسس وهولا يزال موظفا مبتدئا في أمانة قصر عابدين .

كان في أسوان مرافقا للرئيس السادات وهو يجري مباحثاته مع وزير الخارجية الأمريكية هنري كيسنجر عندما وجد الموظف الشاب امرأة مثيرة تسبح بالبكيني فقفز وراءها وراح يتقرب منها ولكنه وجد من يحذره منها في الوقت المناسب فقد كانت ضابطا مستترا تحت غطاء دبلوماسي في وكالة المخابرات المركزية .

وكبر الرجل وكبرت معه نزواته الخاصة ولا ينكر أحد أنه كان صارما دقيقا مسيطرا في عمله ولكن شعوره بالقوة جعله يتصرف بجرأة شخصية تستهين بالأعراض .

كان مبارك يزور فرنسا في وقت كان مهرجان كان منعقدا ولم يتردد رجله الدونجوان في أن يدعو يوسف شاهين علي العشاء في فندق ماريوت ــ شانزليزيه وتصور المخرج الكبير الذي كان يكرمه المهرجان وقتها إن الدعوة نوع آخر من التكريم ولكنه فوجئ بالرجل يطلب منه حضور نجمات سينما كن يحضرن المهرجان قائلا : »‬ بس يا جوبلاش العواجيز خليك في الشباب »‬ وشعر »‬ جو» بالإهانة وأغلق سماعة التليفون في وجهه .

وفي السنوات الأخيرة من حكم مبارك تجنب رجاله المقربون تعريضه لما يزعجه فلم يعد يدعو رؤساء التحرير لحوارات تعود عليها في الأزمات وشطب من جدول أعماله لقاء المثقفين السنوي يوم افتتاحه معرض القاهرة للكتاب وكان البديل فرق التسلية التي جلبت للترفيه وضمت نجوم الكوميديا قبل نجوم الدراما .

ولكن يحسب لمبارك إحترامه الواضح للشخصيات السياسية والحكومية التي تكبره سنا مثل رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب الأسبق الذي كان يناديه »‬ دكتور رفعت » ومثل المستشار فاروق سيف النصر وزير العدل الأسبق الذي كان يناديه »‬ فاروق بيه » بينما كان ينادي الآخرين باسمائهم مجردة دون ألقاب .

لم يكن مبارك بالسهولة التي بدا عليها ولا ينفي ذلك أنه لم يكن عنيدا في كثير من الأوقات كما أشيع عنه فهولم يعاند في تغيير القوانين التي تحبس الصحفيين وتحد من حريتهم وهو لم يعاند في تعديل قوانين النقابات الفنية بعد أن اعتصم نجوم السينما والمسرح ــ وعلي رأسهم تحية كاريوكا ــ وأضربوا عن الطعام .

وأشهد أنه رئيس لا يكذب ولا يعد بما لا يقدر علي الوفاء به ففي إجتماع مع رؤساء التحرير عقد لبحث أزمة سياسية رفض اقتراحا بأن يخرج ليقول للناس شيئا لا يؤمن به حتي ولوكان الهدف تهدئة النفوس وتطييب الخواطر ويومها قال : »‬ خلوا عاطف عبيد ( وكان رئيسا للحكومة ) يخرج يتكلم .

ولكن هل نفذ هذه القاعدة في قضية توريث ابنه الحكم ؟ .

إنها قضية أخري يمكنها الانتظار خاصة وأن شهادتي فيها ربما تساهم في حسمها . 

لم يكن يغضب من النقد إلا إذا طال عائلته التي كانت نقطة ضعفه ووصف قلمي بأنه »‬ ثقيل » !
رفض أن يكذب علي الناس للنجاة في أزمة سياسية وقال : »‬ خلو عاطف عبيد يتكلم نيابة عني » !

عدد المشاهدات 488

الكلمات المتعلقة :