مقالات عادل حمودة

أخبار اليوم تنشر صفحات من مذكرات عادل حموده «٣٤»


عادل حموده

  
8/31/2018 8:05:48 PM


شاهد علي الأزمات الخفية بين مبارك وبوش من كوارفورد إلي شرم الشيخ
مبارك رفض قاعدة أمريكية في »رأس بناس»‬ وتسريح الجيش وتبادل الأرض بين مصر وإسرائيل في سيناء 
رفض عمر سليمان طلب سوزان مبارك بعدم إبلاغ الرئيس - وهو يجري جراحة في ألمانيا- بحادث سيارة أصيب فيه جمال بخدوش سطحية !
سليمان أقنع مبارك - بصعوبة - بحضور مباحثات مع أوبــامــا قـبل إلقاء خطـــابه في جــامعــة القــاهــرة 
كنت أول من اقترب من حسين سالم ونشرت عقد تصدير الغاز إلي إسرائيل وتسجيل محمية طبيعية في الأقصر !
عمر سليمان طلب أن اعتذر له وعندما رفضت وجدت قضية حكم فيها بغرامة مالية ولكن بعد ثورة يناير دخل عاطف عبيد ويوسف والي السجن في الواقعة التي عوقبت عليها ظلما !
عائلة مبارك عزلته ليلاً حتي لا يعرف بخبر وفاة حفيده إلا في الصباح 


في صيف عام 2004 كان مبارك في مركز ميونيخ للعظام يخضع لجراحة تحت مسئولية الدكتور هانز مايكل ماير في العمود الفقري عندما أصيب ابنه جمال بخدوش سطحية في حادث تصادم وهو يقود سيارته في محيط حي هليوبوليس فاتصلت والدته السيدة سوزان ثابت بمدير المخابرات العامة اللواء عمر سليمان تطلب منه إخفاء الخبر عن الرئيس كي لا ينزعج وهو في ظروفه الصحية الحرجة مما يزيد من شدة شعوره بالضيق إذا ما أصيب أحد أفراد عائلته بمكروه.

ولكن عمر سليمان لم يستجب للطلب قائلا : »‬ إن وظيفتي إبلاغ الرئيس بكل ما يحدث ولن أحتمل شعورا بالتقصير مهما كانت مبرراته الإنسانية وأنا أقف أمامه لو عرف الخبر من غيري ».

كان سليمان يعرف طبيعة مبارك جيدا.. الشك المزمن في كل من حوله.. فقدان الثقة فيمن يخفي عنه شيئا ولو كان بسيطا.. ومباغتة الأطراف المختلفة في واقعة ما ليكشف الحقيقة.. وربما تعمد خلق صراعات بين مساعديه لضمان السيطرة عليهم.. ولكنه تنازل عن كثير من تلك الخصائص في سنوات حكمه الأخيرة.. فلم يعد يسمع أو يسأل أو يهتم.. وسلم نفسه وحكمه وقراره لمن عبثوا به وهم أقرب الناس إليه.. عائلته وحاشيته.

بسبب شدة تعلقه بحفيده محمد قطعت حاشية مبارك الاتصالات التليفونية والتليفزيونية عنه ليلة تأكد رحيل الحفيد حتي ينام الجد دون قلق عليه ولتكن العائلة حوله في الصباح تبلغه بالخبر المؤلم وتخفف عنه من شدة الصدمة التي سيتلقاها ومع إنسانية الدافع ونبل القصد فإن ما حدث ليلة الثامن عشر من مايو عام 2009 كان عملية غير مسبوقة لعزل الرئيس عما يجري وهو أمر شديد الخطورة يكشف عن تحكم من حوله فيما يعرف وفيما لا يعرف ؟.

وكان السؤال الذي لم يقترب منه أحد: لو كان من السهل عزل الرئيس عن الأخبار الحزينة فلم لا يعزل عن السلطة بأكملها فيما يعرف بإنقلاب القصر ولو خرج للشعب مؤيدا ومباركا ما حدث ؟.

والمؤكد أن حزن مبارك علي حفيده كان بلا حدود ودفعه لتأجيل زيارته لواشنطن للقاء الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما بل إنه رفض استقباله عندما جاء إلي القاهرة ليوجه من تحت قبة جامعة القاهرة رسالته السياسية الأولي للعالم.

حسب ما سمعت من عمر سليمان فإن مبارك برر عدم لقاء أوباما في قصر القبة بأن أوباما لا يأتي لزيارته وإنما يأتي لغرض آخر.

وبصعوبة أقنعه سليمان بإستقباله والجلوس معه ثلث ساعة علي مائدة المفاوضات ليترك له ولوزير الخارجية أحمد أبو الغيط المهمة بعد ذلك. 

ورغم أن سليمان ظل مخلصا لمبارك حتي اللحظات الأخيرة فإن وجود سليمان بجانبه لم يكن مريحا للسيدة الأولي فقد كانت تشعر أنه يقف ضد مشروع التوريث وتصورت وفاءه للرئيس طمعا في الحكم ولم يكن ذلك صحيحا.

سمعت من سليمان الكثير بعد تنحي مبارك وسجلت معه لمدة ساعتين أول حوار معه بعد ترشحه للرئاسة وجري الحوار في مقر حملته الذي كان يطل علي قصر البارون في هليوبوليس.

خدم سليمان في سلاح المشاه بعد تخرجه في الكلية الحربية عام 1955 وبعد طرد السادات الخبراء السوفيت من القوات المسلحة طالب عام 1972 بتصعيد جيل جديد من العسكريين المؤهلين فاستقبلت كلية القادة والأركان أكبر دفعة في تاريخها كان سليمان واحدا منها.

وخدم سليمان في تشكيلات ميدانية متدرجة حتي وصل إلي قيادة الفرقة 18 المتميزة.

لمدة لا تزيد عن أسبوعين أصبح سليمان قائدا للمنطقة المركزية وفي يوليو 1989 عين مديرا للمخابرات الحربية لينتقل منها مديرا للمخابرات العامة في مارس 1991 وظل فيها 29 عاما حتي يناير 2011 حين أجبر مبارك علي تعيينه نائبا للرئيس ربما ينقذ حكمه من الثورة التي فاجأته ونحته.

إن مدير المخابرات شخص قوي بحكم ما يتوافر تحت يديه من معلومات لا يصل إليها غيره ولكن للإنصاف فإن سليمان لم يفقد في يوم من الأيام تواضعه ولم يستغل منصبه في الإنتقام من أحد حتي لو أساء إليه.

ما أن رشح نفسه للرئاسة حتي فتحت عليه نيران الحملات الإخوانية بكل ما تملك من تجاوزات هائلة في التضليل والإفتراء بما يصعب إحتماله من وقائع ملفقة لا ظل لها من الحقيقة.

وهنا قلت له : »‬ لم لا تكشف ما تعرف عنهم حتي يسقطوا صرعي أمامك إنهم يراهنون علي صمتك وترفعك عن الرد ؟».

وجاءت إجابته لتزيد إحترامي له : »‬أخلاقي لا تسمح لي أن أستغل ما عرفت بحكم منصبي في أمور شخصية ».

وحدث أن طلب جمال منه إطلاعه علي عمل المخابرات فلم يقدم سليمان إليه إلا ما هو منشور في الكتب التجارية وعلي شبكات الإنترنت فاشتكي جمال لوالده الذي نقل الشكوي إلي سليمان ولكن سليمان قال له : »‬لو شئت يا افندم إطلاعه علي ما لدينا من ملفات سننفذ ما تريد فورا» .. ولكن مبارك لم يشأ بل أثني علي موقفه من الحفاظ علي أسرار الجهاز بعيدا عن أقرب الناس إليه.
ورفض مبارك أيضا عرضا من حاكم عربي أراد الحصول علي تسجيلات قديمة له تعود لسنوات بعيدة مقابل مبلغ »‬سمين» من المال.
 
وعندما كان مبارك في ألمانيا يجري جراحة سرطان في الجهاز الهضمي تصادف أن نشرنا في جريدة الفجر عرضا لكتاب أمريكي عن الدور المتميز للمخابرات المصرية في مساعدة المخابرات الأمريكية في عمليات مضادة للتنظيمات الإرهابية جعلت مبارك يعلن في إحدي زيارات واشنطن : »‬ إننا قدمنا معلومات مسبقة عن هجمات سبتمبر 2001 ».

أشاد الكتاب ببراعة سليمان في قيادة جهازه ولكنه شعر بالحرج من إلقاء الضوء عليه في وقت يغيب فيه الرئيس عن مانشيتات الصحف فتدخل راجيا أن نكف عن نشر ما تبقي من فصول الكتاب ــ كما وعدنا القراء ».

أما سر تلك الحساسية فهو أن بعض التيارات السياسية رأت فيه البديل الأفضل لمبارك ونامت مصر لتستيقظ علي لافتات ملصقة في الشوارع تطرح شعار »‬ لا جمال ولا إخوان نريد سليمان » وهو ما ضاعف من شعور الرجل بالحرج من الكلمات الطيبة التي تقال في حقه.

حدث ذلك قبيل زيارة لمبارك اختفي فيها سليمان طوال أيامها ولم يظهر إلا في احتفال أخير داخل البيت الأبيض ( سبتمبر 2010 ) لدفع مسيرة السلام في الشرق الأوسط تحت رعاية الرئيس باراك أوباما وبحضور ملك الأردن عبد الله الثاني والرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو.

وجري التحقيق في واقعة الملصقات وثبت أن ثلاثة من الشباب كانوا وراءها ولكنهم في التحقيقات أضافوا : »‬ كنا نؤمن بالتغيير من داخل النظام فلم نجد أفضل من سليمان ولكننا تراجعنا الآن عن هذه الفكرة ولم يعد ممكنا التغيير إلا من خارج النظام بالتخلص منه ».

وفيما بعد لعب الشباب الثلاثة دورا قياديا بارزا في تظاهرات يناير 2011.

والحقيقة أن مساعدات سليمان لإدارة بوش الابن في مواجهة الإرهاب رفع أسهمه في بورصتها السياسية بعد استبعاد عمرو موسي من ملف خلافة مبارك والسبب أن سليمان سيقدر علي التحكم في استقرار مصر بما سيعجز عنه جمال مبارك.

كانت العلاقات قد ساءت بين مبارك وبوش وبدا ذلك واضحا في الصدام الذي وقع بينهما في ربيع عام 2004.

في ذلك الوقت سافرت لتغطية رحلة مبارك إلي هيوستن ( عاصمة تكساس مقر عائلة بوش ) ونزلنا في فندق إنتركونتننتال تمهيدا لرحلة قام بها رؤساء التحرير بالسيارات لمدة 6 ساعات للوصول إلي مزرعة بوش في كوارفورد بعد أن ركبنا الطائرة الرئاسية إلي مطار واكو بينما أقلت الطائرات الهليكوبتر مبارك وجمال وأعضاء الوفد الرسمي.

بدا البيت الريفي لبوش أكثر تواضعا من بيت متوسط في مارينا وإن أحاطت به الحقول الخضراء من جميع الجهات ووقف رؤساء التحرير في العراء يعانون من شدة البرد في المنطقة الخلفية للبيت حيث وضعت الكراكيب وحيث وجد حمام واحد صغير تستخدمه الحراسة وتكاد تمنع غيرها من الاقتراب منه.

وفي داخل البيت جرت مناقشات حادة بين الرئيسين ..

بدا فيها بوش متشددا إلي حد التجاوز في قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان ومن جانبه لم يسكت مبارك ورد عليه بشدة محذرا من نظرية »‬ الفوضي الخلاقة »‬ التي روجت لها كونداليزا رايس في ندوة عقدتها في الجامعة الأمريكية في القاهرة وبررت بها غزو العراق بعد فضح حجة وجود أسلحة كيميائية لدي صدام حسين.

وما أن عدنا إلي هيوستن حتي التقي بنا مبارك ليعبر عن سوء الفهم الذي ساد مباحثاته مع بوش وفهمنا دون تصريح واضح منه إنه لن يأتي إلي الولايات المتحدة طالما بوش يحكمها.

لم يكشف مبارك لنا عن مدي عمق الخلاف بينه وبين بوش ولكنني نجحت بصعوبة في معرفة بعض منه بواسطة أحد الدبلوماسيين الذين عملوا في الرئاسة وكان ذلك بعد ثورة يناير.

طلبت الولايات المتحدة من مصر تغيير طبيعة القوات المسلحة فيها لتتحول من جيوش ميدانية وأسلحة رئيسية مجهزة للحرب مع جيوش نظامية أخري إلي وحدات متخصصة عالية التدريب لمكافحة الإرهاب وكانت الحجة الأمريكية التي تبنتها كونداليزا رايس : »‬إن مصر بعد توقيع معاهدة السلام مع إسرائيل لم يعد لديها أعداء تحاربهم سوي الإرهاب الذي لا يحتاج هذه النوعية من المقاتلين ».

وللإنصاف فإن رايس ناقشت تلك النظرية مع وزير الدفاع المشير حسين طنطاوي ولكنه رفضها فور أن سمعها.

كانت واشنطن تعمل جاهدة علي تفكيك الجيوش العربية كما حدث في العراق لتصبح إسرائيل القوة العسكرية الوحيدة في المنطقة التي ستعمها الفوضي وتتفجر فيها الصراعات الطائفية والعرقية والحروب الأهلية وهو ما حدث فيما بعد.

وحافظت مصر علي جيشها رافضة زيادة المعونات الأمريكية التي عرضت عليها مقابل تفكيكه وتسريحه وثبت أنها علي حق فقد حافظت القوات المسلحة علي وحدة البلاد وسط إنهيارات دول أخري قريبة منها.

أكثر من ذلك ثبت أن التنظيمات الإرهابية المدعومة من دول خارجية اصبحت تمتلك أسلحة حديثة متطورة وكأنها جيوش مصغرة ولم يكن من الممكن مواجهتها بأسلحة خفيفة كما تصورت واشنطن.
ولم يحافظ مبارك علي القوات المسلحة فقط وإنما رفض منح البنتاجون قاعدة عسكرية في رأس بناس بل رفض مبارك مشروعا سياحيا هناك حتي لا يكون غطاء لما يدبر لنا.

ولم يقبل مبارك أيضا بتبادل الأراضي بين مصر وإسرائيل حلا للمشكلة الفلسطينية بأن تترك مصر مساحة من سيناء مقابل أرض تضع إسرائيل يدها عليها في النقب بجانب دعم مالي تحصل عليه مصر من الولايات المتحدة يزيد عن 100 ملياردولار تضاف إليها محطة تحلية مياه يمولها البنك الدولي.

ويبدو أن مبارك شعر بخطورة الوضع في شمال سيناء فأوقف مشروعات التنمية في شمالها وكانت تلك المشروعات تضم ترعة السلام وخط سكك حديدية وتجهيز مئات الأفدنة للزراعة.

خشي مبارك علي ما يبدو أن ينفجر الوضع المتردي في غزة فيخرج سكانها عن الحدود ويدخلون سيناء بالقوة وهو ما حدث فيما بعد وإن نجحت مصر في إعادتهم دون أن تطلق النار علي واحد منهم.
ولكن بعد ثورة يناير وما صاحبها من إضطرابات داخلية تسللت جماعات إرهابية إلي سيناء بدعوي إقامة دولة الخلافة هناك ولكنها في الحقيقة كانت تنفذ مخططا للضغط علي مصر للقبول بدولة فلسطينية هناك والمؤكد أنها ستكف عن القتال لو نفذت تلك المؤامرة.

وبغطرسة الكاوبوي لم يكتف بوش بما حدث بينه وبين مبارك في تكساس وإنما كرر كلماته الموجعة في شرم الشيخ خلال حضوره منتدي اقتصادي هناك مما زاد من سوء العلاقة بين الرئيسين وكان ذلك في مايو عام 2008.

وقد تابعت بنفسي ذلك الحدث وكنت مقيما في فندق فور سيزونز الذي شهد اجتماعا بينهما ولم يسفر إلا عن ضربات إعلامية متبادلة تحت الحزام.

وخلال أحداث المنتدي وقفت أتحدث إلي عمر سليمان عن كيفية تلافي الأزمة بين القاهرة وواشنطن ولكنه كان مشغولا بأمر آخر.

كنت أول من نشر في »‬ الفجر » عقد تصدير الغاز إلي إسرائيل بواسطة شركة شرق المتوسط التي كان حسين سالم رجلها الأول ومر النشر بسلام ودون إعتراض رغم أنه مس رجلا لم يقترب أحد منه من قبل هو حسين سالم ويبدو أن ذلك شجعني لمزيد من التحري عنه فكشفت عن واقعة إستيلائه علي محمية طبيعية في الأقصر يقع عليها فندق موفنبيك والأخطر أن الحكومة ممثلة في رئيسها الدكتور عاطف عبيد ووزير الزراعة الدكتور يوسف والي سجلت العقود في الشهر العقاري ولكن ما أن نشرتها حتي استدعاني عمر سليمان قائلا :

»‬حسين سالم مستثمر مثل غيره من المستثمرين الوطنيين لا يكسب في مشروعاته أكثر من ١٥في المائة لقد أغضبته ولابد من أن ترضيه».

ولم أعرف كيف أرضيه وكل ما نشرت مستندات رسمية تثبت صحة ما نشرت ؟.

خلال حديثي مع سليمان في المنتدي الاقتصادي انضم إلينا حسين سالم الذي عرض علي غرفة في فندقه وسيارة من أسطوله ولكنني اعتذرت.

وفوجئت بقضية ضد ما نشرت عنه وحكم علي بغرامة مالية ولكن بعد ثورة يناير حوكم عاطف عبيد ويوسف والي عما فعلا لحسين سالم في الأقصر ودخلا السجن لبعض الوقت.

ولا شك أن أسهم سليمان في خلافة مبارك صعدت إلي درجة عالية في سنوات الأزمة مع بوش ولكن عادت أسهمه للهبوط من جديد بعد تغير موقف أوباما من نظام مبارك بعد ثورة يناير.

عدد المشاهدات 486

الكلمات المتعلقة :