مقالات عادل حمودة

أخبار اليوم تنشر صفحات من مذكرات عادل حموده «41»


عادل حموده

  
10/19/2018 7:33:34 PM

ألف حكاية وحكاية بيني وبين الدكتور كمال الجنزوري بها غضب مبكر وود متأخر !
طالبت الدولة برفع إيجارات البيوت التي تستأجرها وإعادة المهجور منها إلي أصحابها فاستجاب بمبادرة حسبت إلي حكومته !
     رصدت في » التكويش علي السلطة»‬ عشرات المناصب
التي يتولاها فاحترقت الجسور بيني وبينه واتهمنا بأننا »‬مجلة جنسية» !
الجنزوري جـــــاء لاستكمال مشـــوار
د. عاطف صدقي في الإصلاح الاقتصادي ورفع معدلات النمو
استفاد من النقد الذي تعرض له وهو رئيس حكومة في عصر مبارك بعد أن أصبح رئيس حكومة بعد ثورة يناير !  
تحدث في حفل توقيع مذكراته عن تسامحه مع الذين أساء وا إليه فقال هيكل الجالس بجواري : أنت المقصود !
حاولنا مع مفكرين وصحفيين ورجال أعمال إصدار صحيفة خاصة فعّدل القانون ليشترط موافقة مجلس الوزراء قبل المجلس الأعلي للصحافة !


لست من هواة البطولة المطلقة بأثر رجعي .

ليس في البطولة المؤجلة عملا من أعمال التحدي .. التحدي يفترض وجود خصم .. والخصم في هذه الحالة إما ينام تحت رخام قبره .. أو وحيدا في بيته يعض أصابع الندم علي فقد منصبه الذي كان .. يحتاج إلي رثاء لا إلي قتال .

كيف نصدق كاتبا كان موافقا علي كل الحكومات والسياسات والشخصيات ثم ما أن يحدث التغيير ينقلب علي نفسه حتي يخرج إلينا بسهولة ليقول لنا : »‬ لا تؤاخذوني فقد كنت مخدرا ومجذوبا ومهبولا وواقعا تحت تأثير السحرة والمشعوذين » ؟ .. كيف نصدق ما وجه من صفعات ولكمات ولعنات علي ما كان بعد أن كان قبلته في الصلوات وأمطره بالقبلات ؟ .

هذه مقدمة ضرورية قبل الحديث عن علاقتي متعددة الجوانب والزوايا والمواقف بالدكتور كمال الجنزوري .. اختلفت معه وهو في عز قوته .. ونجح في إخراجي من روز اليوسف بعد أن تربعت علي عرش المجلات الأسبوعية .. وتفرقت بيننا السبل .. وشاءت الظروف أن يتواصل الود بيننا بعد أن ترك مناصبه .. بل وتحدث معي عن مذكراته قبل نشرها .. وحضرت حفل توقيعها في النادي الدبلوماسي وسط نجوم السياسة والصحافة .. وما أن تحدث عن تسامحه مع الذين أساءوا إليه حتي همس لي هيكل الجالس بجواري قائلا : »‬إنه يقصدك» .

هنا تساءلت بيني وبين نفسي : »‬ هل حقا أسأت إليه ؟ أم أنه هو من أساء».

واحتاجت الإجابة إلي توثيق بالرجوع إلي ملفاتي القديمة ووجدت أن من المناسب عرض الوقائع مجردة تاركا الحكم للناس خاصة أن له رصيد كبير لديهم فقد نال الكثير من إعجابهم لبراعته في حفظ الأرقام الاقتصادية وارتجالها . 

وطاردني سؤال آخر : لم تفتح جراحا اندملت وتعيد حديثا عن رجل صفّي الزمن ما كان بيننا ؟ .
وكانت إجابتي : إن المواقف لم تكن شخصية .. وما سأذكره تاريخا موثقا .. والتاريخ ليس ملكا لأحد حتي الذين صنعوه .. التاريخ حق لأجيال لم تعشه .. كما أنني لن أتجاوز فيما اروي بلفظ غير مناسب لقدر الرجل .. ولن أخرج عن النص بوقائع لم تحدث .

والأهم أن التاريخ ليس علم الأحياء الميتة وإنما هو علم الاستفادة من الماضي حتي لا تكرر الأمم أخطاءها وتلدغ من الجحر نفسه مرتين .

بل إن الرجل نفسه استفاد مما كان من قبل عندما عاد رئيسا للحكومة من جديد بعد ثورة يناير 2011 ولا أظن أنه سيغضب مما سأكتب فهو وحده يعرف الحقيقة كما أنني مستعد دائما لنشر ما يجود به من تعليقات وتفسيرات دون حرج ،وجرب ذلك كثيرا فيما قبل .
 
فعلا اختلفت مع الدكتور كمال الجنزوري (رئيس الحكومة رقم 113 ) وهو في كامل سلطاته وخضت معه وحدي معارك شرسة لم أملك فيها سوي قلمي وضميري بينما كان تحت أمره جهازه الحكومي الضخم الجاهز لتنفيذ ما يشاء لعقاب من يشاء .. بجانب وقوف شخصيات صحفية بجانبه كانت مستعدة لبيع شرفها مقابل حبات من الفول السوداني .. وتحالف رجال أعمال معه بتمويل حملات تشهر بي تحقيقا لمصالح قدرت بمليارات .. وحقق الرجل ما أراد وأثر في الرئيس مبارك حتي أصدر تعليماته بخروجي من روز اليوسف لهدم تجربة من تجارب الحرية الصحفية النادرة .

أردت فيما كتبت عن الجنزوري التنبيه إلي أنه يميل نحو جمع الصلاحيات في يده مما أشعل الصراع بينه وبين عدد كبير من الوزراء رفضوا الخضوع إليه وحاولوا الاستقلال عنه وانشغلوا في الدفاع عن مناصبهم حتي تأثر أداء الحكومة بغير ما توقعنا وسجلت البنوك خروج نحو 40 مليار جنيه قروضا يصعب تحصيلها مقابل ضمانات عقارية وارأض قدرت بأضعاف قيمتها .

وأمام محاولات لا تتوقف لإسكات صوتي واستئصال حنجرتي لم أتوقف عن نشر ما أراه صائبا .. كنت مؤمنا بأن الشمس لا تطفأ بنفخة من مسئول مهما كانت سلطته .. ومهما كانت سطوته .. وأن التاريخ يتذكر الكتاب .. وينسي رؤساء الحكومات .. إلا من حقق معجزة يصفق لها الشعب .. في الغالب يذهب الحاكم ويبقي الكاتب .. وبالقطع هناك حاكم سابق ولكن ليس هناك كاتب سابق ولو مات ودفت ومرت عليه عقود وأجيال .

استقبلت روز اليوسف وصول الجنزوري إلي رئاسة الحكومة بترحيب حار متصورة أنه سيكمل مشوار الإصلاح المالي الذي نفذه سلفه الدكتور عاطف صدقي بإصلاح اقتصادي يزيد من معدلات النمو ويشعر الناس بالرخاء بعد أن تحملوا الكثير من المعاناة .

وللإنصاف فإنه استجاب إلي ما كتبت في يوم 27 يناير 1997 مطالبا بأن تعيد الدولة النظر في إيجارات العقارات التي تستخدمها المصالح الحكومية وتعيد العقارات التي لم تعد تسكنها إلي أصحابها يستفيدون منها خاصة أن بعضهم لا يملك من سبل العيش سواها أو عائدها .

ولم يستجب الرجل إلي ما طالبت به فقط بل طالبني بمتابعة تنفيذ قراراته وكتب لي خطابا شخصيا يفيد ذلك لم أتردد في نشره وسعدت بما جاء فيه علي لسانه قائلا : »‬ إن الحكومة يجب أن تكون قدوة في تنفيذ القانون وأنها لا تستمر إلا برضاء الناس عنها وأن الموظف العام هو خادم للناس وليس سيدا عليهم » .

في ذلك الوقت كان الجنزوري يصفني بالكاتب الوطني الشجاع وفي الوقت نفسه كان يعترض علي ما يصفه بالحدة في أسلوب كتاباتي .

ولكنه علي ما يبدو لم ير في الصحافة سلطة رقابية مستقلة وربما اعتبر الكتابة وظيفة حكومية ليس عليها سوي تنفيذ التعليمات وانتظار العلاوات وإن تركت لها الحرية في النشر فليس أمامها سوي وصفات التدبير المنزلي علي طريقة أبلة نظيرة مؤلفة أشهر كتاب طهي في مصر .

ولم أصل إلي هذا التصور من خيالي وإنما صاغته تجارب عاشتها روز اليوسف معه كان لي فيها النصيب الكبير من اللوم .

بعد أن أيدت محكمة النقض حكم التفريق بين الدكتور نصر أبو زيد وزوجته الدكتور إبتهال يونس نشرت علي غلاف روز اليوسف ( 18 أغسطس 1996 ) صور بعض رموز المجتمع من بينهم الجنزوري في دائرة تنشين ضرب النار وكتبت تحتها عنوان يحذر من تكرار ما جري : »‬ هؤلاء عليهم الدور ــ تصريح بالقتل من محكمة النقض » .

واتصل الجنزوري بي غاضبا من وضع صورته علي هذا النحو رغم أننا اعتبرناه رمزا من رموز المجتمع ممكن أن يتعرض للاغتيال الجسدي والمعنوي الذي طال من سبقوه من وزراء ورؤساء حكومات علي يد الإرهاب .

وعندما استخدمنا أسلوب الفوتو مونتاج وكونا صورة له وهو يحمل كاميرا سينمائية بمناسبة عدم السماح بتكوين شركات للإنتاج السينمائي برأسمال أقل من 200 مليون جنيه تخيل أننا نستخدم هذه الصورة للنيل منه وطالبنا يومها بألا ننشر صورة غير رسمية له لأن غيرها من الصور يفقد الحكومة التي يمثلها هيبتها ووقارها وقوتها علي حد تصوره .

والحقيقة أن الوحيد الذي استفاد من رفع رأسمال شركة السينما إلي 200 مليون جنيه كان نجيب ساويرس فقد عجز نجوم السينما ومنتجوها عن مجاراته وأغلقت شركاتهم المحدودة التي أنتجت غالبية أفلام السينما المصرية مما أثر في الصناعة وعدد الأفلام تقدمها سنويا .

وتدخل الجنزوري مرة أخري مطالبا بعدم نشر صورته وهو يدخن السيجار رغم أنه اهداني واحدا منه طراز دافي دوف سوبر كينج سايز في أنبوبة محفورة من الخشب .

وقبل أن أترك روز اليوسف فكرت في إصدار صحيفة خاصة تحمل اسم »‬ صاحبة الجلالة » وكونت شركة ضمت أسماء جادة في مختلف المجالات منها وحيد حامد والدكتور لويس بشارة والدكتور ميلاد حنا والدكتور أحمد العزبي وشاكر أباظة والدكتور حسن الحيوان والدكتور هانئ عنان وفنان الكاريكاتير جمعة وأنا وشباب يحلم بفرصة أكبر في الصحافة ولكن الجنزوري وقف أمام المشروع وأجهضه ووجدنا صحيفة تخرج بنفس الاسم من تحت بير السلم .

بل إنه سارع بتعديل المادة ( 17 ) من قانون الشركات ليفرض موافقة مجلس الوزراء شرطا مسبقا لقبول أوراق شركات الصحافة بينما اكتفي بأن يكون تكوين شركات الطوب والأسمنت والشيبسي والهوت دوجز والشاورما بإخطار بريدي مسجل بعلم الوصول وبدا وكأنني المقصود بهذا التعديل لمنعي من نشر الصحيفة حتي إن البعض أطلق علي هذا القانون : »‬ قانون عادل حمودة ».

وفيما بعد اسقطت المحكمة الدستورية العليا ذلك النص ووصفته بالعوار التشريعي الصادر من غير ذي صفة فليس من حق مجلس الوزراء صك القوانين أو تعديلها .

لم أكن بما كتبت عنه خفيفا علي قلبه وأتصور أن المقال الذي نشرته في عدد 2 مارس 1998 تحت عنوان : »‬ رئيس وزراء سوبر ــ التكويش علي السلطة » هو ما أجهز حرقا علي ما تبقي من جسور بيني وبينه خاصة وأن تعبير »‬التكويش علي السلطة »أصبح شائعا وكثر استخدامه .

ولنقرأ بعضا من المقال : 

ولد الدكتور كمال الجنزوري في 12 يناير 1933 واحتفل بعيد ميلاده الخامس والستين في صمت وكان الاحتفال علي ما يبدو غير تقليدي التهم فيه كعكة حرية الصحافة واطفأ شموعها وأضاف أعباء وصلاحيات جديدة فوق كاهله لا نعرف كيف يتحملها خاصة أنه لا يفرق بين رحابة الديمقراطية وسطوة البيروقراطية .

وهو يجيد التعبير ويخشي التقصير ويعرف أن الطريق أمامه ليس مفروشا بالحرير ورغم ذلك يسعي جاهدا إلي تكثيف وتجميع السلطات والقرارات في يده وحده ليكون الأول والأخير .

إنه يرأس مجلس الوزراء ويتولي بنفسه أربع وزارات هي التخطيط والتعاون الدولي والأزهر والحكم المحلي والذي يتولي وزارة التخطيط يرأس البنك القومي للاستثمار .. البنك المتحكم في كل المشروعات والخدمات .. لا تبني مستشفي أو محطة كهرباء أو مدرسة دون موافقته .. والمشروعات التي يقرها ويسيطر عليها بالمئات إن لم تكن بالآلاف .

وفيما بعد أضاف الجنزوري لنفسه صلاحيات توزيع الأراضي في المدن الجديدة بجانب التحكم في شئون المحافظين بصفته وزيرا للحكم المحلي .

وهناك 12 لجنة عليا مشتركة مع 12 دولة عربية وأجنبية وحسب البروتوكولات الموقعة معها فإن هذه اللجان تجتمع دوريا كل ستة أشهر ويعقد الاجتماع في عاصمتي الدولتين بالتبادل .

إنه في العام الواحد عليه حضور ما بين 12 و24 اجتماعا لهذه اللجان ولو كان الاجتماع في القاهرة فإن عليه التفرغ لها يومين علي الأقل وفي حالة الاجتماع في عاصمة الدولة الأخري تستغرق الرحلة ما بين 3 إلي 4 أيام وبحسبة بسيطة تستهلك هذه اللجان والاجتماعات وحدها حوالي الشهرين من وقت رئيس الحكومة الثمين الذي يضع تحت تصرفه كل شئ .

يضاف إلي ذلك المهام التي يكلفه بها رئيس الجمهورية سواء للسفر معه أو لاستقبال الضيوف الأجانب والمشاركة في المباحثات الرسمية معهم .

وهناك ايضا الاجتماعات مع المحافظين والتعامل معهم بشكل مباشر بصفته وزيرا للحكم المحلي بجانب شغفه الذي لا يتوقف بتكرار الدعوة لرؤساء تحرير الصحف للتحدث إليهم .

وبحكم منصبه هو نائب رئيس الحاكم العسكري طبقا لقانون الطوارئ وقد استخدم سلطات الحاكم العسكري بتوسع لم يحدث من قبل وطبقها علي المباني ( وهو أمر يحسب له ولكنه بالقطع استهلك مساحة من وقته المحدود ) .

ثم إنه عضو في 30 مجلسا أعلي للسياسات العليا ( السياحة والقوي العاملة والشباب والرياضة والإسكان والموانئ مثلا ) وبهذه الصفة عطل أعمال الوزارات المختصة وتدخل في شئونها بما شل حركة غالبية الوزراء .

وهو بحكم منصبه عضوا في المجالس العليا للقوات المسلحة والأمن القومي والشرطة ( وهو ما أضيف إلي مشاغله ما لايملك وقتا لها).

ويتابع بحكم منصبه أعمال المجالس العليا للصحة والدواء والثقافة والتعليم والجامعات والطاقة وكلها تحتاج إلي جهد إضافي يصعب توفره .

ويرأس وهو الأخطر والأهم في هذه المرحلة اللجنة العليا للخصخصة وبالتشريع الأخير الذي يجعل موافقة رئيس الوزراء ضرورة للموافقة علي الشركات الصحفية وشركات الأقمار الصناعية والاستشعار عن بعد يكون الجنزوري قد نقل الكثير من صلاحيات المجلس الأعلي للصحافة ووزارة الإعلام إليه .
وبمقتضي التشريع نفسه الذي يشترط موافقة مجلس الوزراء علي تأسيس الجمعيات الأهلية تفقد وزارة الشئون الاجتماعية سيطرتها علي هذه الجمعيات لصالح مركزية رئيس الحكومة .

وبعد ساعات من إقرار هذا التشريع مر تشريع آخر يقضي بحرمان هيئة قناة السويس من استقلالها ونقل تبعيتها إلي مجلس الوزراء .

وفي تقديرات البعض يوقع رئيس الحكومة  علي ما لا يقل عن 3500 ورقة في الشهر ولو كان القرار يحتاج إلي دقيقة واحدة فإن توقيع ما تحت يده من أوراق يحتاج ما بين ثلاث وست ساعات يوميا تقريبا ( وفيما بعد اتضح انه يوقع علي نحو 15 ألف ورقة شهريا بمعدل 500 ورقة دون حساب العطلات والأعياد ) .
ولأنه يقوم بالاتصالات بنفسه في أغلب الأحيان فإن الكلام والبوستة والحوار مع مساعديه يستهلك النهار بأكمله فمتي يأكل ويدخل الحمام ويجامل بحضور الأفراح التي يحرص علي التواجد فيها ولا تتساءل متي يمارس عمله الحقيقي رئيسا للحكومة .

وأدت هذه السياسة إلي تجاهل الوزراء فلم يؤخذ رأي وزير التعليم في تعديل قانون الثانوية العامة ولم يؤخذ رأي وزير الصحة في تغيير مشروع التأمين الصحي مثلا .

إننا في وطن ينتظر السفر إلي المستقبل ولكن المشكلة أن رئيس الحكومة عطل القطار وكسر الرصيف وأغلق المحطة علي نفسه بعد أن حلم بأن يكون ناظرها .

الدكتور كمال الجنزوري كان الله في عونك وعوننا » .

ولم يجد الرجل ردا علي ما كتبت سوي وصف »‬ المجلة التي تهاجمه بأنها مجلة جنسية »ويبدو أن هذا الوصف خفف من موجة الغضب التي سيطرت عليه وإن لم يكف عن السعي إلي التخلص منها ومنا ونجح في ذلك ولكن بعد خمس سنوات لم تكن العلاقة بيننا خلالها »‬سمن علي عسل» وإنما أشواك ومسامير.

عدد المشاهدات 360

الكلمات المتعلقة :