مقالات عادل حمودة

أخبار اليوم تنشر صفحات من مذكرات عادل حمودة «٥٩»


عادل حمودة

  
3/8/2019 7:53:16 PM

عرفت فؤاد سعيد أغني رجل أعمال مصري في العالم 
متواضع وبسيط يأكل الفول والطعمية في السيدة زينب ويمشي في شوارع القاهرة دون حراسة ! 
يمتلك قصر روتشيلد في جنيف ويؤثر في السياسة الأمريكية واختيار مرشحي الرئاسة في الولايات المتحدة ! 
 كان وراء نقل الأحداث السياسية لأول مرة بالأقمار الصناعية ومهد لاختراع التليفون المحمول !
 »سعيد»‬ سبق رامي مالك في الحصول علي الأوسكار قبل نصف قرن
 رصد ١٠٠ مليون دولار لاستثمارها في مصر ولكن خلافه مع ناصف ساويرس في المحاكم جعله يتراجع
 بدأ حياته مساعد مصور لخاله في فيلم وادي الملوك واخترع موبايل ستديو ودرس السينما بهوليوود!



 في جنيف ــ حيث تحاصرك محلات بيع الساعات في كل شارع ــ لم أجد أفضل من المشي علي حافة البحيرة متأملا التماثيل التي تنتصب بوفرة كاسرة ديكتاتورية اللون الرمادي الذي يسيطر علي المدينة صيفا وشتاء.. تأخذ البحيرة من الجو شكل الهلال وتزيد مساحتها علي 528 كيلومترا مربعا وتمتد بين فرنسا التي تسميها بحيرة ليمان وسويسرا التي تسميها بحيرة جنيف.. علي البحيرة شيد البارون »‬اسحق إكانان» قصرا محاطا بأسوار عالية من الحديد والخضرة وضع علي بوابته وجدرانه رمز »‬الدرع الأحمر» أو باللغة الألمانية »‬روت شيلد» وسرعان ما أصبح الرمز لقبا لعائلته.. عائلة روتشيلد اليهودية التي تمتلك في صمت ثروة هائلة يصعب حصرها جعلت منها الأكثر ثراء في العالم.. ما أن سجلت بلدية جنيف القصر أثرا معماريا يستحيل هدمه حتي باعه ورثة روتشيلد إلي أكثر من ملياردير.. ليمتلكه في النهاية أحمد فؤاد سيد عبد المجيد.. وشهرته فؤاد سعيد.. أغني مصري علي سطح الدنيا وأكثر من عرفت بساطة وتواضعا.

ولد فؤاد سعيد يتيما وتولي خاله المصور السينمائي تربيته ولكنه لم يعش عالة عليه وإنما ساعده في حمل الكاميرا وصيانتها وتجهيز مشاهد فيلم المغامرات الأمريكي »‬وادي الملوك» الذي صور مشاهده الخارجية بين الآثار الفرعونية.
في ذلك الوقت من عام 1954 لمح فيه مخرج الفيلم روبت بيروش موهبة ما فأقنعه بدراسة السينما في هوليوود واستجاب الشاب الطموح للفكرة وسافر إلي لوس انجلوس ليدرس التصوير في أحد المعاهد الخاصة المنتشرة بوفرة هناك ولكن ما أن سعي بعد تخرجه بحثا عن عمل حتي فوجئ بالنقابات المهنية المتعصبة تحاربه وتمنعه من العمل في الأفلام.
لم ييأس فؤاد سعيد وإنما واجه العنصرية المعادية للأجانب بما جعلها تستسلم لمشيئته ونجح بذكائه في فرض إرادته عليها.
كان التصوير الخارجي للأفلام يجبر المنتجين علي نقل كل ما في البلاتوهات من معدات ثقيلة ومحطات طاقة وديكورات ثقيلة إلي مواقع التصوير متحملين تكلفة مرتفعة تهددهم بالخسارة أو علي الأقل تخفض من أرباحهم.
علاجا لتلك المشكلة اخترع فؤاد سعيد ما سماه »‬موبايل ستديو» وهو ستديو صغير متنقل يوفر أكثر من نصف تكاليف التصوير الخارجي ونجح الاختراع وباعه لشركات متخصصة استفادت منه ليضع الشاب الأسمر النحيف قدميه علي أول طريق الشهرة والثروة بل أكثر من ذلك حصل اختراعه علي الأوسكار عام 1969 سابقا رامي مالك ــ الممثل الصعيدي الأصل ــ في الحصول علي تلك الجائزة الفنية الرفيعة بنصف قرن تماما.  
بسبب حالة العداء بين الولايات المتحدة ومصر التي سادت بعد هزيمة يونيو لم نسمع بجائزة أوسكار فؤاد سعيد ولم نهتم بها إلا فيما بعد عندما طلبت مني سهير عبد القادر ــ المدير التنفيذي لمهرجان القاهرة السينمائي  استضافته وتكريمه في دورة عام 2010 وسعدت بتقديمه للجمهور المصري في ندوة مفتوحة أدرتها علي هامش المهرجان تحتفظ قناة يوتيوب بتسجيلها وقبلها التقطت له صورا وهو يقف علي مركب شراعي في النيل اعتبرها هدية ثمينة ووعد بالحفاظ عليها.
في الندوة كشف فؤاد سعيد عما هو أهم.. إنه أول من قفز بالميديا التلفزيونية إلي عنان السماء عندما نقل في بث حي مباشر عبر الأقمار الصناعية زيارة ريتشارد نيكسون إلي الصين في فبراير عام 1972 مسجلا الزيارة الأولي من نوعها لرئيس أمريكي بجانب اللقاء الفريد بينه وبين ماوتسي تونج وفي مايو من العام نفسه تكرر البث الحي المباشر لزيارة نيكسون إلي الاتحاد السوفيتي وكانت أيضا الزيارة الأولي من نوعها لرئيس أمريكي يلتقي بأمين عام الحزب الشيوعي وقتها ليونيد بريجنيف.
كانت معجزة تكنولوجية أن يعيش المشاهد الأحداث السياسية الهامة في لحظتها ليكون شريكا فيها.
وفي الندوة أيضا أثبت فؤاد سعيد أنه مهد الطريق إلي اختراع التليفون المحمول الذي أحدث انقلابا في حياة البشر ولكنه باع الاختراع في بدايته لمن يملك إمكانيات تطويره قائلا : »‬إن الثروات الراقية تتكون من الاختراعات لا من المضاربات والصفقات والانحرافات».  
ذهل محررو الفن ونقاد السينما الذين تابعوا الندوة مما سمعوا وجلسوا صامتين مشدودين لكل ما يفجره فؤاد سعيد من مفاجآت غابت عنهم وكان السؤال الذي تكرر منهم : »‬لماذا لم نسمع عن هذه الشخصية المصرية الفريدة من قبل ؟» ونلت كثيرا من الشكر علي إعادة تقديمه إلي وطنه الذي كان يجهله ولم يسمع عنه من قبل.  
أما السؤال الذي لم يجب عنه فؤاد سعيد فكان : »‬لماذا لا تستثمر أموالك في مصر ؟» ورغم أنه كان يملك إجابة قاطعة علي السؤال فإنه آثر الصمت والتفت إلي راجيا بنظرة عابرة من عينيه ألا اتطوع بالإجابة التي سبق أن عرفتها منه.
كان فؤاد سعيد قد خصص 100 مليون دولار ــ دفعة أولي  لاستثمارها في مصر.. ذهب إليه ناصف ساويرس عارضا عليه مشاركته في شراء اسهم مصنع اسمنت قررت الحكومة خصخصته قائلا : »‬إنها صفقة مغرية يا أونكل».. ووافق »‬أونكل» علي المشاركة وأكمل بما دفع المبلغ الذي كان يحتاجه ناصف ساويرس لشراء المصنع.. بل وفوضه في التعامل علي الأسهم.. ولكن بعد فترة من الزمن عاد ناصف ساويرس إليه قائلا : »‬يا أونكل الكساد أصاب صناعة الاسمنت بعد الحادث الإرهابي الذي وقع في الأقصر» (نوفمبر 1997).. ووافق »‬اونكل» علي الاقتراح وفوضه في بيع حصته من الأسهم ولكن فؤاد سعيد سرعان ما اكتشف أن هناك أمرا غير مريح في عملية بيع الأسهم فدخل في نزاع قضائي ضد ناصف ساويرس استمر أكثر من عشر سنوات كسبه بعد طول صبر في كل درجات التقاضي وكان محاميه فريد الديب.
ولكن ما ان حصل فؤاد سعيد علي حكم نهائي يعيد إليه حقوقه حتي كان ناصف ساويرس قد باع ما تملك شركته وعائلته من مصانع اسمنت إلي شركة لافارج بمبلغ يقترب من 13 مليار دولار وتحملت الشركة الفرنسية قروضا بملياري دولار ومنحته أسهما بنحو ثلاث مليارات دولار في صفقة وضعته في قائمة الأكثر ثراء في العالم.
لكن فيما بعد اتهمت لافارج بأنها مولت تنظيم داعش الإرهابي في عام 2013 لضمان استمرار إنتاج مصنعها في مدينة جلابيا السورية ورفعت المحامية اللبنانية أمل كلوني ( زوجة النجم السينمائي جورج كلوني ) ضد الشركة أكثر من دعوي قضائية بأسماء النساء اللاتي خطفهن التنظيم وعوملن مثل سبايا الحرب.    
لم يدفع ناصف ساويرس ما طالبت به الضرائب عن الصفقة التي قدرت بنحو 69 مليار جنيه وكالعادة بدأ نزاع قانوني بين الطرفين ولكن في السنة التي حكم الإخوان فيها قرر النائب العام طلعت عبد الله منع ناصف ساويرس ووالده انسي من السفر بتهمة التهرب من 14 مليار جنيه ضرائب واضطر الرجلان للتفاوض علي السداد بالتقسيط ودفعا القسط الأول ولكن ما أن أصبح الإخوان خارج الحكم حتي طالبا باسترداد ما دفعا.  
وبما فعل ناصف ساويرس نقل مصانع الأسمنت التي كانت قبل خصخصتها ملكية عامة إلي ملكية الشركات متعددة الجنسيات وأعاد سيطرة الأجانب علي سلعة استراتيجية مثل الاسمنت.
وكان من بين مصانع الاسمنت التي باعتها عائلته مصنع امتلكته في الجزائر مما اثار غضب الشعب هناك فقد اخرج الفرنسيون من الباب ولكنهم عادوا من الشباك وتسبب ذلك في الهجوم علي شركات اخري كان نجيب ساويرس يمتلكها.
من جديد عاد فؤاد سعيد للقتال في المحاكم.. بعد ان حصل علي حكم ضد شركة أوراسكوم حتي وجد أسهمه قد انتقلت إلي شركة لافارج.. ودارت ماكينة القانون مرة أخري.. وكان محاميه هذه المرة الدكتور محمد حمودة.
في يوم الثلاثاء 30 يناير 2018 حكمت محكمة القاهرة الاقتصادية ( الدائرة الرابعة ــ استئناف ) برئاسة المستشار جمال أحمد توفيق وعضوية المستشارين حسام الدين حسن مصطفي وشريف فتحي الماحي بأحقية فؤاد سعيد في مليون و334600 سهم والزمت لافارج بأن تؤدي إليه ما يزيد علي 86 مليون جنيه وما يزيد علي 20 مليون دولار تعويضا عن التوزيعات علي الأسهم.
وطالب الدكتور محمد حمودة في دعوي جديدة حجز أموال لافارج في البنوك وفاء لما عليها ولكن المحكمة قصرت الحجز علي حساب الشركة في بنك قطر الأهلي واستجابت المحكمة المختصة لما طلب.
وصلت القضايا إلي محكمة النقض التي أقرت في النهاية حقوق فؤاد سعيد بحكم بات ولكن ذلك حدث بعد نحو عشرين سنة مما جعله يندم علي استثمار أمواله في مصر.
إن أحد أساليب الاستثمار غير المستقيم التي احترف البعض القيام بها افتعال أزمة حتي لا يسدد ما عليه من التزامات فلا يجد صاحب الحق مفرا من اللجوء إلي القضاء ولطول أمد المحاكم بدرجاتها المختلفة يكون المستثمر قد استغل الأموال ليسدد من مكاسبها ما عليه إذا ما خسر القضايا.
خلال سنوات التقاضي وبالتحديد في عام 2003 سعي فؤاد سعيد للتعرف علي أما السبب فكان الحملة التي خاضتها صوت الأمة ضد نجيب ساويرس بعد منحه الشركة المصرية لخدمات التليفون المحمول بالأمر المباشر وأكثر من ذلك زيادة رأسمال الشركة بشهادات بنكية جري التشكيك في صحتها وغرمت هيئة سوق المال نجيب ساويرس بسببها ولكنه رفض تسديد الغرامة بدعوي أن تلك الشهادات خرجت من مكتب محاسب جري عقابه بالسجن فيما بعد.
واجه ساويرس حملة صوت الأمة برفع أكثر من عشرين قضية ضدي وضد الصحيفة وتعمد محاموه نشر القضايا في محافظات متعددة لتشتيت محامينا ولتحميلنا بمصاريف عالية يصعب علي صحيفة خاصة تحملها ولكننا حصلنا علي البراءة دائما مما يعني صحة ما كتبنا.
دعاني فؤاد سعيد إلي عشاء متواضع من الأسماك في سفينة ترسو أمام فندق ماريوت القاهرة وحمل الدعوة وشاركنا فيها صديق مشترك هو محمود عبد العزيز الذي كان وقتها رئيسا لمجلس إدارة البنك الأهلي.
ليلتها تحدث فؤاد سعيد بألم شديد عن فساد الاستثمار في مصر لارتباطه بالنفوذ السياسي كما أفرط في الحديث عن التحالف غير المقدس بين السلطة والثروة مؤكدا أن الفساد يحرم المستثمر الجاد من المغامرة بأمواله وضرب أمثلة عفنة أصبحت قضايا جنائية فيما بعد.. بعد ثورة 25 يناير 2011.
بل أكثر من ذلك كشف عن رشوة دفعت لمسئول كبير بعد منحه رجل أعمال شهيرا صفقة خصخصة نقلت عائلته إلي قائمة الأكثر ثراء في العالم بشهادة مجلة فوربس.
والمثير للدهشة أن فؤاد سعيد بحكم امتلاكه بنكا استثماريا في جنيف جاء بكود الرشوة التي وضعت في بنك سويسري وأخذ منه محمود عبد العزيز الكود وطالب منه مرافقته في سيارته وذهبا إلي شخصية مؤثرة وقريبة من مبارك وقدما إليه ما لديهما من معلومات وكل ما حدث هو إقالة المسئول الكبير دون التحقيق معه مما جعل الدولة شريكا صامتا وشيطانا أخرس.
لم يكافأ المسئول السابق بتوليه شركة أو بنكا كما كان يحدث عادة مع الكبار في الحكومة وأغلب الظن أن صاحب القرار اعتبر علي ما يبدو الرشوة التي دفعت هي المكافأة.
لقد شاعت في تلك السنوات رواية أو نكتة تقول : إن مبارك قال لواحد من رجاله »‬كرشك كبر يا فلان» فرد فلان مبتهجا : »‬كله من خيرك يا ريس».
وما يثير الوجع أن المسئول الكبير المرتشي عاد إلي سطح الحياة السياسية بعد ثورة يناير بدعوي انه كان مضطهدا قبلها.. إنها قضية يجب عدم تجاهلها.. قضية الأبطال الوهميين الذين يتصورون أنهم يمكن أن يضللوا كل الناس كل الوقت.
وخلال تردد فؤاد سعيد كثيرا علي القاهرة اقتربت منه أكثر.. دعانا فريد الديب إلي شقته في حي السيدة زينب علي وليمة »‬فول وطعمية».. ونزلنا بعدها معا إلي الشارع لنشير إلي سيارة »‬تاكسي» فالرجل لا يستأجر سيارة »‬ليموزين» تسهل مشاويره.. كما انه يحمل علي كتفيه حقيبة جلدية متواضعة.. وفي الفندق الذي يقيم فيه يكتفي بالنزول في غرفة صغيرة.. ولا يتحرك وسط حاشية من السكرتارية والحراسة.. فهو يعرف قيمة كل سنت كسبه بعرق جبينه.. ولم يكون ثروته بسهولة تحت قنوات خفية من الفساد كما حدث مع كثير من مليارديرات مصر الذين أنفقوا بسفه أموالا علي المظاهر الكاذبة وجمدت أيديهم عند أعمال الخير.
وفي وقت مبكر من سنوات ما بعد عام ألفين تنبأ فؤاد سعيد بأن عائلة ساويرس بعد ان تسيطر علي مساحة شاسعة من الاقتصاد المصري ستبيعها إلي الأجانب.
وتنبأ أيضا بأن نجيب ساويرس سيسعي جاهدا للسيطرة علي الميديا تمهيدا للسيطرة علي السياسة وهو ما حدث فعلا فيما بعد.
امتلك نجيب ساويرس أسهما في صحيفة يومية واسس اخري أسبوعية وامتلك قنوات فضائية واعلن حزبا واستحوذت شركة الإعلانات التي يمتلكها علي صحف وقنوات متعددة ولكن سرعان ما فقد ذلك كله مكتفيا بمهرجان سينما يقام سنويا في الجونة.  
لم يكن فؤاد سعيد يرجم الغيب أو يفتح المندل أو يقرأ الفنجان وإنما بحكم خبرته وعلاقاته واتصالاته الدولية القوية بالشخصيات النافذة التي تحكم العالم كان يجيد قراءة المستقبل ويعرف كيف يتوقع أحداثه وكيف يسيطر عليها ؟.
بل يمكن القول انه واحد من مجموعة صغيرة تؤثر في السياسة الأمريكية وتساهم في اختيار سادة البيت الأبيض من الحزب الجمهوري.
كلمة السر المفتاح هنا : »‬شبكة كارلايل جروب».. وهي قصة أخري.

عدد المشاهدات 427

الكلمات المتعلقة :