واحة الرأى

في الصميم

حين يصبح سؤال أمريكا هو: متي يرحل ترامب .. وكيف؟!


جلال عارف

  جلال عارف
9/7/2018 8:00:43 PM

صدور كتاب جديد عن قضية الرئيس الأمريكي »ترامب»‬ لم يعد خبراً مثيراً بعد عشرين كتاباً تناولت أسراره وخباياه وفضائحه.. لكن عندما يكون الكتاب من تأليف الرجل الذي أسقط من قبل الرئيس الأسبق »‬نيكسون» عندما كشف أسرار فضيحة »‬ووترجيت» .. فلابد أن يختلف الأمر، وأن يصبح الكتاب حديث أمريكا قبل أن يصدر بعد يومين متواكباً مع ذكري أحداث ١١ سبتمبر بكل ما تحمله من ذكريات سيئة للأمريكيين!! وعندما تكتب أهم صحف العالم »‬نيويورك تايمز» افتتاحيتها مهاجمة الرئيس الأمريكي فهو أمر ليس جديداً، فموقف الصحيفة المعارض لترامب ليس خافياً، والعداء بين ترامب والصحافة والإعلام أصبح إحدي العلامات المميزة للحياة السياسية الأمريكية الآن (!!).. ولكن عندما تعلن الصحيفة أن كاتب الافتتاحية هو أحد كبار معاوني ترامب في البيت الأبيض ، وأنها تخرج وللمرة الأولي .. عن تقاليدها، وتنشر المقال مع حجب اسم الكاتب حفاظاً عليه (!!) .. فنحن هنا أمام سابقة خطيرة ، وتطور هام في قضية ترامب ، خاصة حين يكشف المقال عن أسرار ما يجري داخل البيت الأبيض، ويعطي الدلائل علي أن سيد البيت الأبيض لا يصلح لموقعه!! كتاب الصحفي الشهير »‬بوب وودوارد» وافتتاحية »‬نيويورك تايمز» يمثلان  في تقديري - نقلة حاسمة في قضية ترامب التي بدأت قبل انتخابه للرئاسة واستمرت تتفاعل حتي الآن . والتي كانت المعارك الصحفية جزءاً منها، والمناوشات الحزبية والسياسية جزءاً آخر منها، لكن الأساس كان دائماً هو التحقيقات القضائية التي يجريها المحقق الخاص، والتي أوقعت بالفعل محاميه الخاص وعدداً من كبار مساعدي ترامب، وبدأت في تضييق الخناق حول الرئيس الذي بدأ بالفعل يتحدث عن احتمالات عزله، ويهدد بأن ذلك - إذا تم - فستكون نتيجته الفوضي والإفلاس لأمريكا!! التطور الجديد يظهر مع ما نشر ـ حتي الآن ـ من كتاب »‬وودوارد» ومع مقال »‬نيويورك تايمز» الخطير. حتي الآن كان أغلب ما في قضية »‬ترامب» يتعلق بالماضي. الوقائع كلها تدور حول تحايله الضريبي ومخالفاته المالية وفضائحه الجنسية.. ثم احتمالات تورطه الشخصي في اختراق روسيا للانتخابات الامريكية ومساعدتها له في الوصول لمقعد الرئاسة!!
ورغم خطورة هذه الاتهامات، فقد كان »‬ترامب» حتي الآن قادراً علي الاحتفاظ بتأييد معظم مناصريه، علي أساس أنه قد يكون صاحب ماض غير لائق، وقد يكون ارتكب العديد من المخالفات المالية والشخصية في حياته السابقة. لكنه ــ وفقا للصورة التي يقدمها لانصاره ــ يقوم بعمل ناجح لاقصي حد في البيت الأبيض، ويحقق الانتصارات المتتالية لسياساته، ويجلب الكثير من المنافع الاقتصادية لأمريكا، ويحسن أحوال المواطن ويحميه من منافسات يراها ظالمة.. ما يحدث الآن يضرب كل ذلك في مقتل. إنه يقدم صورة لرجل مشوش التفكير، لا يعرف كيف يدير الأمور، ولا يحترم القيم الأساسية الحاكمة لأمريكا، ولا يحسن اتخاذ القرار (!!) وأن كبار المسئولين في البيت الأبيض قد كونوا من بينهم »‬جماعة مقاومة» تسعي لحماية الدولة من »‬أجندة ترامب وميوله السيئة» ومحاولة توجيه الإدارة في الاتجاه الصحيح »‬حتي ينتهي الأمر بصورة أو أخري»!! ويضيف المسئول الكبير في البيت الأبيض في افتتاحية »‬نيويورك تايمز» ان تصرفات »‬ترامب» قد فتحت الباب في وقت مبكر من رئاسته للحديث داخل البيت الأبيض عن استدعاء التعديل الخامس والعشرين الدستوري إلي المشهد.. وهو ما يعني بدء عملية قانونية معقدة لعزل الرئيس!! ولا ينسي مسئول البيت الأبيض هنا التنبيه إلي أن ما اعتبره كثيرون قرارات إيجابية لترامب مثل القرارات الخاصة بالاصلاح الضريبي وتقوية الجيش وزيادة ميزانيته، لم تكن في الحقيقة قرارات للرئيس الأمريكي بل إنها جاءت - كما يقول - علي الرغم من أسلوب قيادته المتهورة والعدائية.. وليس بسبب ذلك!! ويتوافق ذلك مع إشارات في الفصل الذي نشر من كتاب »‬بوب وودوارد» عن الفوضي في إدارته البيت الأبيض، وعن أوامر يصدرها ترامب بلا دراسة، ويتلقاها المعاونون بلا اهتمام أو نية في التنفيذ (!!) وعن قرارات معدة للتوقيع تؤخذ من علي مكتبه دون أن يدري أو يسأل (!!) وعن رجل لا علاقة له بالسياسة ولا رغبة عنده في التعلم، ولا أمل لدي معاونيه إلا في ان ينجحوا في منع ما قد يسببه من كوارث!. الأمر هنا لم يعد يتعلق بماضي الرجل، وما يمكن أن يكون قد ارتكبه من مخالفات مالية أو تهرب ضريبي، أو حتي ما يمكن أن يكون قد تلقاه من عون روسي ليصل إلي مقعد الرئاسة.. مع خطورة ذلك علي الأمن القومي للقوة الأعظم في العالم.. الأمر أصبح يتعلق بالحاضر والمستقبل. برئيس يجاهد معاونوه ليمنعوا ما قد يسببه من كوارث. وبرجل لا يحمل معه إلا الفوضي والجهل بأحوال أمريكا والعالم!! الأمر الذي انتقل من أروقة البيت الأبيض للرأي العام الأمريكي يضع الكل أمام مسئوليته. ويطرح السؤال الذي لم يعد منه مفر: هل يمكن أن تتحمل أمريكا عامين آخرين من رئاسة ترامب؟ وهل يمكن أن يتحمل العالم عواقب أن تظل أمريكا طويلاً في قبضة هذه القيادة؟ بعض الاجابة قد يأتي مع انتخابات نوفمبر التشريعية.. لكن بعضها الآخر يحتاج لأن تعلو المصالح الوطنية علي الانتماءات الحزبية، حتي تستطيع أمريكا عبور أزمتها في أقرب وقت، وبأقل الخسائر!!

عدد المشاهدات 104

الكلمات المتعلقة :