واحة الرأى

في الصميم

«الملاذ الآمن».. في سوهاج


جلال عارف

  جلال عارف
1/4/2019 7:04:59 PM

قبل سنوات ذهبت إلي سوهاج في رحلة سريعة بدعوة من المحافظ لبحث كيفية المشاركة في تنمية المحافظة التي تنتمي إليها العائلة وتمتد جذورها في أرضها الطيبة.
وجدت نفسي في صحبة نخبة من رجال الاقتصاد وخبراء التنمية ومن كبار الصناع في مصر والبارزين في عالم التجارة والبيزنس. وكلهم من أبناء المحافظة التي تقبع ــ وياللمفارقة ــ في آخر قائمة المحافظات الأكثر احتياجاً للتنمية في مصر.
أحاديث هامة دارت حول العراقيل التي تمنع جهود التنمية، وتقلل من مشاركة أبناء المحافظة القادرين بالفعل علي إقامة مشروعات ضخمة أقاموا مثلها في أنحاء البلاد وحققت نجاحاً كبيراً.
ومن جانبه تحدث المحافظ عن مشروعات بدأت ولم تكتمل، وعن منطقة صناعية لاتعمل رغم التسهيلات المقدمة من الدولة. وعن أبناء المحافظة العاملين في الخارج »وخاصة في الخليج»‬ ورغبتهم في عمل أي شيء لتنمية المحافظة.
الجانب السهل كان في احتياج المستشفي المركزي وبعض المستشفيات الأخري لأجهزة ومعدات وتطوير. في دقائق قدم المجتمعون أكثر من المطلوب بكثير. أما الجانب الصعب فكان في كيفية التغلب علي العراقيل حتي ينطلق قطار التنمية.
كانت النقطة المركزية أن مناخ التنمية غير موجود. الروتين الحكومي كان عائقاً، والجهود المبذولة لاتجمعها خطة عمل ولا رؤية متكاملة. البعض شرح الوضع عملياً. قال إنه جاء وأقام مصنعاً وجهز نفسه للتوسع، لكن الظروف أوقفته.. الاستهلاك في المحافظة قليل لتواضع جهود التنمية. ولا سبيل إلا لنقل الانتاج للقاهرة أساساً حيث السوق الواسعة والنامية باستمرار، والنتيجة ألا يستمر المشروع وأن ينتقل إلي حيث يستطيع أن ينافس ويبيع ويربح!!
أعتقد أن الموقف الآن قد تغير. العديد من المرافق الأساسية تم انجازها. المطار وطريق البحر الأحمر وغيرها. البنية الأساسية قد تكون أفضل. الاهتمام بالصعيد يحتل مكاناً بارزاً في جهود التنمية. الظروف تحتم أن تنتشر التنمية علي كل أرض مصر، وأن تكون الأولوية للأكثر احتياجاً بعد أن تحمل المواطن عبء السنوات العجاف، ثم تحمل بعد ذلك بشجاعة الجزء الأكبر من فواتير الإصلاح.
ما يهم الآن أن تكون لدينا الخرائط الواضحة والبيانات الكاملة التي نبني عليها الخطط التفصيلية لكل محافظة، وأن تكون الرؤية واضحة بأنه لاسبيل لمقاومة الفقر ألا بتعميق التنمية وخلق فرص العمل. وأن الصناعة بشقيها »‬الصناعات الصغيرة من ناحية، والصناعات المتوسطة والكبري من ناحية أخري» هي قاطرة التقدم، وهي القادرة علي إحداث نقلة حقيقية في المجتمع.
هناك جهد شاق حدث في البنية الأساسية ربما يحتاج لأن يتضاعف في محافظات الصعيد بالذات لكي تكون أساساً للمزيد من التنمية التي تحول هذه المنطقة إلي المزيد من الانتاج ومن فرص العمل، ومن استغلال كل الثروات بالاضافة للسياحة لكي تبني مجتمعات قادرة علي استيعاب أبنائها، وقادرة علي توفير الحياة الكريمة لهم.. خاصة حين يرتبط ذلك باتاحة التعليم للجميع، وبالقضاء علي الفكر المتخلف الذي يستغل الظروف الاجتماعية لكي يتغلغل في شرايين المجتمع.
وقد يكون للجهد الخيري دور فيما هو مطلوب لتخفيف وطأة الظروف الصعبة علي أهلنا الأكثر احتياجاً. لكن الجهد الأساسي الذي ينبغي التركيز عليه هو »‬التنمية» قبل أي شيء آخر. والمسئولية هنا تتوزع بين الجهد الرسمي لخلق البيئة المناسبة للتنمية المطلوبة وإزالة كل العراقيل أمامها. وبين المستثمر الوطني الذي يعرف أن الظروف قد تغيرت، وأن بيئة الاستثمار قد أصبحت أفضل بكثير، وأن تردده الآن في دعم جهود التنمية داخل بلاده لم يعد له أي مبرر!!
في السنوات السابقة كان بعض أصحاب الثروات يبررون امتناعهم عن المشاركة في الاستثمار داخل الوطن بأسباب نعرف أنها غير حقيقية، ومع ذلك كان في امكانهم الاستعانة بها لتبرير موقفهم الذي لايمكن مقارنته مع مواقف مستثمرين وطنيين حقاً استمروا في تعظيم استثماراتهم داخل الوطن في أصعب الظروف، وليتنا نوفي هؤلاء حقهم ونسلط الأضواء علي مافعلوه، في وقت كان فيه »‬الآخرون» يبحثون عما ظنوه »‬ملاذات آمنة» في الخارج لأموالهم التي جنوها من عرق المصريين!!
الآن يعرف الجميع أن الملاذ الآمن الحقيقي كان في بني سويف والغردقة وشرق بورسعيد وغيرها من المناطق التي استثمر فيها المصريون وانتجوا، وخلقوا فرص العمل، وربحوا وحموا ما كسبوه من تقلبات سوق عالمية غاب عنها الاستقرار.. وسيغيب لفترة طويلة!!
لا غدر لمستثمر وطني شريف الآن إذا لم يشارك في جهد التنمية في بلده. ولا عذر لنا إذا لم نتسامح مع من يترك أمواله »‬أو أموالنا!!» بعيداً في ظروف لم تعد تحتمل من يرون أن أموالهم أكثر أماناً في بنوك غسيل الأموال، وليس في الاستثمار في سوهاج!!

عدد المشاهدات 59

الكلمات المتعلقة :